RSS

دينية … أم مدنية؟ 1/2

17 Mar

دينية … أم مدنية ؟
هل من سبيل إلي فض ما بينهما من إلتباس ؟!
قبل التطرق إلي ما أصبح يشبه (جحر الثعابين هذا ) , أذكر أننا حينما نزلنا ميدان التحرير في جمعة الإنقاذ , كان من بين ما حملنا من لافتات تحمل مطالبنا لافتة كتبناها تقول :
“لأننا مصريون.. ولأنها سلمية.. نريدها مدنية”
ثم فكرت لم بدأت بكوننا مصريون؟! ولم أكتب مسلمون؟! أري أن كثيرآ من شعوب الأرض اكتوت بنار الإرهاب , واشتعلت بفتن الحروب الدينية علي مر التاريخ , ودمرها التطرف والجهل,وسوء النية أو سوء الفهم فيما يتعلق بالدين …
ولكننا نحن ـ كمصريين ـ عانينا بما فيه الكفاية من الفهم المغلوط للدين , زاد من خطورته , وضاهف من تأثيره السلبي , المستوي المتدني للتعليم التلقيني,وضحالة الثقافة, وانحدار المستوي الاجتماعي بما يمثله من كوارث اجتماعية وجرائم بشعة غير مسبوقة في المجتمع المصري…
هذا كله ـ مجتمعآـ أفقد قطاعات معينة من المصريين البسطاءالأمل في حياتهم الدنيا , ودفعهم بقوة إلي تمني النعيم في الآخرة , وكان أقرب و أقصر و أسهل الطرق في سبيل نيل ذلك : الاستسلام لمشايخ -معظمهم مغرضون- يرسمون لهم معالم طريق الآخرة ! والتي تبدأ بتكفير المجتمع خارج المسجد , واعتباره دار كفر , وانتهاءآ بتفجيرات انتحارية و مآسي لا أول لها ولا آخر..
لا أزعم أن ثقافتي الدينية تؤهلني للخوض في هكذا مسائل معقدة , كثر حولها اللغط والالتباس , ولكني أعبر عن قناعات شخصية من واقع أحداث كثيرة عشناها , وقدر من الاطلاع الديني الذي لم يشبع فضولي واحتياجي للفهم,حتي بعد وقت طويل – يقترب من العشرين عامآ – بين المساجد و الدروس الدينية …
بداية أعتقد أن كون المرجعية الدينية للمسلم تلخصها الشهادة بركنيها , وهي إثبات الألوهية لله ثم إثبات الرسولية لرسول الله -صلي الله عليه وسلم- لا يختلف عليه أحد من المسلمين الصادقين ..أما الحاكمية لله , فمعناها-كما أفهمه- أن الله -سبحانه- الخالق للكون هو المتحكم والمتسيد فيه , ولا سلطان لأحد فيه غيره ..
وبالعودة لسياق كلمة حكم وردت بالقرآن , نجد أنه يقصد حكمآ خاصآ بالشرع أي الشريعة , -أزعم ألا علاقة له بتيسير الأمور في كيانات سياسية كالدول ,
فآيات: “إن الحكم إلا لله” , “ألا له الحكم” ,”كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم” , “واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا” , “ذلكم حكم الله يحكم بينكم” الواردة في سور الأنعام والقصص والطور والممتحنة , علي الترتيب
أجدها تتحدث عن حكم إلهي مطلق يشري في الكون كله , فهو -سبحانه- خالقه و مدبر أمره , وعليه فلأن الرسول -صلي الله عليه وسلم- هو حامل لواء الرسالة والمبلغ عن الله , كان ينزل عليه الوحي ,فيحكم بشرع الله في أمة وليدة .. أنزل عليها القرآن , وهو النص المقدس من لدن الله , ليكون منهاج حياه , ألزم النبي نفسه بتطبيقه في حياته , فكان ” قرآنآ يمشي علي قدمين ” ليكون لنا القدوة و المثال ..
كان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- في أمته رسولا يوحي إليه , وقاضيآ , وقائدآ عسكريآ في حالة استثنائية في التاريخ الإنساني كله ..
وحتي في ظل هذا الاستثناء كان -عليه صلاة الله وسلامه- يطبق الشوري , ويستشير أصحابه , فيسألونه -قبل مشاركته بالرأي- إن كان أوحي أليه بشيئ في المسألة , حتي لا يعارضوا أمر الله ..
يقول الشيخ علي عبد الرازق – رحمه الله – في كتابه “الأزمة” (الإسلام و أصول الحكم) والذي تم فصله من الأزهر بسببه.. فقد خرج عن السياق , وأعمل عقله النقدي , ومارس حقآ شرعه , بل أوصي به رب العزة والجلال عباده جميعآ , يقول الشيخ :”إن محمدآ -صلي الله عليه وسلم- ما كان إلا رسولا لدعوة دينية خالصة لا تشوبها نزعة ملك , ولا دعوة لدولة , وإنه لم يقم بتأسيس مملكة بالمعني الذي يفهم سياسة من هذه الكلمة ..
ما كان إلا رسولا كإخوانه من الرسل , وما كان ملكآ , ولا مؤسس دولة ولا داعيآ إلي ملك , فلا ينبغي أن نخلط بين زعامة الرسالة و زعامة الملك…….انتهي ص105,106
ويحضرني موقفآ من سيرته الشريفة حين دخوله – عليه صلوات الله وتسليمه – مكة عقب معاهدته مع قريش , في كوكبة من المسلمين أنصاره , أن وقف معاوية -وكان حديث عهد بالإسلام- إلي جوار عم النبي ;العباس , سمعه العباس يقول : لقد أصبح ملك أخيك الغداة عظيمآ , فرد العباس : إنه ليس ملكآ , إنها النبوة …
وعليه فيما يتعلق في حياة النبي بالجزئيتين الأساسيتين , ألا وهما : أولا : الوحي المنزل عليه من رب العزة والجلال , قال فيه:
“وما ينطق عن الهوي, إن هو إلا وحي يوحي” …..(النجم 53)
وثانيهما : بشريته الخالصة التي كما اصطفاه الله ليتسني لنا أن نقتدي به , وفي ذلك يوحي إليه بقول الحق:” إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي”…..(الكهف 110)
ونكمل الاستشهاد بالشيخ علي يقول:
من أجل ذلك كان سلطان النبي-صلي الله عليه وسلم- بمقتضي رسالته سلطانآ عامآ , وأمره في المسلمين مطاعآ وحكمه شاملا .. فولاية الرسول علي قومه ولاية روحية , منشؤها إيمان القلب و خضوعه خضوعآصادقآ يتبعه خضوع الجسم .. فأما ولاية الحاكم فولاىة مادية , تعتمد إخضاع الجسم من غير أن يكون لها بالقلب اتصال .. تلك ولاية هداية إلي الله و إرشاد إليه , وهذه ولاية تدبير لمصالح الحياة وعمار الأرض ..
تلك للدين , وهذه للدنيا , تلك لله , وهذه للناس .. تلك زعامة دينية , وهذه زعامة سياسية , ويا بعد ما بين السياسة و الدين ..إذن فالقرآن عندما يقول :
“فما أرسلناك عليهم حفيظآ” , و “قل لست عليكم بوكيل” , و “وما أنا عليكم بوكيل ” , و” وما أرسلناك عليهم وكيلا” , و”إن عليك إلا البلاغ” ,و” فذكر إنما انت مذكر لست عليهم بمصيطر” الواردة في سور النساء و الأنعام و يونس و الإسراء و الشوري و الغاشية …..
فإنه يقر بأن النبي -صلي الله عليه وسلم- لم يكن له شأن بالملك السياسي , فهو لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من مل معاني السلطان , ولم يكن له من الحق علي أمته غير حق الرسالة ..
“قل ما كنت بدعآ من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم , إن أتبع إلا ما يوحي إلي وما أنا إلا نذير مبين” (الأحقاف 46) ………………. إنتهي
وعلي هذا , فحينما يكون الحديث عن السياسة وشئون الدولة , أقول -والله أعلم- أنه ليس في القرآن نصوصآ ترسم معالم دولة بمعناها وشكلها المدني : رئاسة حكم , وسلطات مختلفة , ترسم وتحدد كيفية العلاقة بينها , وما إلي ذلك,أي لم يقدم القرآن نموذجآ لحكومة إسلامية بالمعني السياسي الذي تقوم عليه الدول , هذه أمور اصطلحت الإنسانية علي بنائها وإرساء دعائمها عبر عصورها التاريخية المختلفة , فهي أمور ترك الحق -سبحانه- تسييرها للبشر ليضعوا ويقروا ما يناسبهم ويحقق مصالحهم … لا بد أن نفهم قول المولي -سبحانه-: “وجعلناكم شعوبآ و قبائل لتعارفوا “……(الحجرات49) , فإنه يقر الشعوبية والقبلية , وغيرها كأشكال و أنماط يضعها الناس , ثم قال لتعارفوا , وليس لتناحروا وتتقاتلوا , ويحارب بعضكم بعضآ باسم الدين , والجهاد في الدين !!!
يقول الشيخ علي : معقول أن يؤخذ العالم كله بدين واحد , وأن ينتظم البشرية كلها وحدة دينية ! فأما أخذ العالم كله بحكومة واحدة , وجمعه تحت وحدة سياسية مشتركة , فذلك مما يوشك أن يكون خارجآ عن طبيعة البشرية ,ولا تتعلق به إرادة الله … علي أن ذلك إنما هو غرض من الأغراض الدنيوية التي خلي الله -سبحانه- بينها وبين عقولنا , وترك الناس أحرارآ في تدبيرها وفق ما تهديهم إليه عقولهم وعلومهم ومصالحهم ونزعاتهم ,
وحكمة الله في ذلك بالغة ليبقي الناس مختلفين … “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة , و لا يزالون مختلفين” (هود 118) …………انتهي
لقد خلق الله الإنسان ليكون خليفته في الأرض لإعمارها , وأنزل القرآن أولا ليسترشد و يستنير به الإنسان , يتلقي عن خالقه , ويعلم مراده منه , ثم ليستمد من تعاليمه ما يسمو به علي المستوي الإنساني ليستحق هذا التشريف , وتلك الخلافة , ويستطيع هذا الإنسان المستخلف أن يضبط حياته
فيرضي الله الذي خلقه فكرمه , وأنعم عليه من فضله …
وبالتالي فهذا هو الهدف ..
وجود الإنسان الخلوق الملتزم بالتعاليم و التوجيهات القرآنية التي هي تأكيد علي المثل و القيم العليا نفسها التي بعث الله بها الرسل جميعآ من لدن آدم وحتي سيدنا محمد -عليه صلوات الله و تسليماته – هذا الإنسان الذي صلح مع خالقه بطاعته و التسليم له , وصلح مع نفسه بضبطها علي ما أقره الله , وصلح مع الدنيا بحسن أخلاقه , يكون نموذجآ للصلاح و الإحسان في أي موقع من مواقع الدنيا أيآ ما كان …
يتبع…..

١ أبريل٢٠١١

 
Leave a comment

Posted by on March 17, 2012 in Politics

 

Tags: , , , , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: