RSS

” في المَهْيَصة “

24 Mar

هذا مقال تحليلي، واقعي، ممتع، مشوّق، مفيد
ولكنه -في نفس الوقت- محزن، مؤلم، محيّر ومستفزّ
كاتب هذا المقال الأستاذ الدكتور/ كمال شاهين
دكتوراه في اللغويات “Linguistics” من جامعة ويلز،المملكة المتحدة
أستاذ بمؤسسة الدراسات الفكرية المعاصرة ..أبو ظبي

يتحدث المقال عن الإطار المرجعي الذي يحكم سلوك المصريين
ويتساءل : هل هو ما يحكم المجتمعات الصناعية ؟!
أم الذي يحكم المجتمعات القبلية ؟!
أم لدينا إطاراً يمثّل مجموعة القيم الإسلامية ؟!
أم ماذا ؟!
ويصل إلي نتيجة بقدر كونها صادمة،
بقدر ما أراها -عن نفسي- غاية في الصدق والواقعية
علي الأقل فيما يحكم سلوك أغلبية المصريين “إلا ما رحم ربي”

والآن مع المقال .. “في المهيصة”

قضيت ليلة أمس مع الأستاذ الدكتور محمد جنيد في شقته الساحرة على كورنيش الإسكندرية والمطلة على جسر ستانلي. شقة رائعة, منظر رائع, عالِم رائع وحوار رائع. كان الحوار يدور حول الإطار المرجعي الذي يمكن أن يساعدنا على “التنبؤ” بسلوك المصريين ومن ثم تفسيره. مثال على ذلك, هل يمكن النظر إلى مجموعة القيم التي تحكم المجتمعات الصناعية الحديثة على أنها تمثل هذا الإطار المرجعي؟ يمكننا, حينئذ, أن نتوقع سلوكا اجتماعيا منضبطا, والتزاما بالمواعيد, وحرصا على جودة الأداء, واحتراما لحقوق الآخرين, ورفضا لتدخل أي إنسان مهما كان في أمورنا الشخصية. لا يحتاج الأمر إلى أكثر من سماع قائمة القيم هذه من أجل أن يصل السامع إلى قرار ملخصه أن مجموعة القيم هذه لا علاقة لها بما يفعله الناس في مصر.

هل يمكن النظر إلى مجموعة القيم التي تحكم المجتمعات القبلية على أنها هي التي تمثل ذاك الإطار المرجعي؟ يمكننا حينئذ أن نتوقع سلوكا اجتماعيا يستمد فيه المرء أهميته من القبيلة التي ينتمي إليها, ويحرص تمام الحرص على الحفاظ على مصالح أبناء قبيلته, ويطيع تعليمات شيخ القبيلة طاعة عمياء. مرة أخرى, لا يمكن النظر إلى هذه القيم على أنها تمثل مجموعة القيم التي تحكم سلوك الناس في القاهرة والإسكندرية, وطنطا, والزقازيق, بل وكفر نفرة (قريتي الصغيرة في المنوفية).

هل يمكن النظر إلى مجموعة القيم التي جاء بها الإسلام على أنها هي التي تحكم سلوك المصريين؟ يمكننا حينئذ أن نتوقع سلوكا اجتماعيا يتميز بالعدل, والإحسان وينأى عن الفحشاء والمنكر. سلوكا يتفق فيه القول مع الفعل فالله سبحانه وتعالى يخبرنا بأنه يكره, أكثر ما يكره, أن نقول ما لا نفعل. هات ورقة وقلم, واكتب مجموعة القيم الإسلامية, واسأل نفسك ما إذا كانت هذه القيم هي التي تحكم سلوك الناس في مصر.

واضح تماما أن سلوك الناس في مصر “غير محكوم” بالمرة بمجموعة القيم الإسلامية, كما أنه غير محكوم بمجموعة القيم التي تحكم المجتمعات القبلية, فضلا عن أنه غير محكوم بمجموعة القيم التي تحكم المجتمعات الصناعية. والسؤال, بهذا الشكل, هو: ما هي مجموعة القيم التي تحكم سلوك الناس في مصر؟ هناك, في حقيقة الأمر, قائمة طويلة من القيم التي تحكم سلوك الناس في مصر لن أتعرض لأي منها باستثناء قيمة واحدة فقط هي المهيصة.

المهيصة هي أن تكون اشتراكيا قوميا عروبيا في عهد جمال عبد الناصر, رأسماليا منقطع الصلة بالعروبية في عهد السادات. المهيصة هي أن تشجع النادي الأهلي الذي يكسب دائما وبهذا تفرح دائما. أما إذا بدأ الأهلي في الخسارة فعليك بالجري إلى الفريق الجديد المنتصر دائما. المهيصة هي أن تكون في حزب مصر يوم الثلاثاء عصرًا وفي الحزب الوطني يوم الثلاثاء في المغرب. المهيصة هي أن توافق على أي طلب يطلب منك ثم لا تفعل أي شئ على الإطلاق. المهيصة هي أن تشرح لي كيف ستدافع عن وطني ووطنك ووطننا جميعا قبل ذهابك إلى الجبهة في حرب 1967 ثم تتجه إلى بيت خالك كي يتوسط ألا تذهب إلى الجبهة ((حدث فعلا). المهيصة هي أن تتحمس لأي شئ طالما لا يكلفك ذلك أي شئ. المهيصة هي أن تسخر مني إذا طالبتك بأن تلتزم بما كنت متحمسا له. إحنا عايزين نعيش يا باشا. حقيقة الأمر, الحديث عن المهيصة طويل وأترك لك الأمر لتضيف أنت إليه.

والسؤال الآن: ما علاقة هذا الكلام عن المهيصة بالدين الإسلامي؟ كان الحديث مع الدكتور محمد جنيد يدور حول ما إذا كان يمكن النظر إلى المجتمع المصري على أنه مجتمع تعود انتصاراته إلى مجموعة القيم الإسلامية تماما مثلما تعود أزماته إلى نفس مجموعة القيم. كان رأيي أنه لا يمكن النظر إلى الأزمات التي تعصف بالمجتمع المصري على أنها ناتجة عن مجموعة القيم الإسلامية. المجتمع المصري لا تحكمه مجموعة القيم الإسلامية وإنما تحكمه قيمة عليا اسمها “المهيصة”. حقيقة الأمر, وهذا هو مربط الفرس كما يقولون, لقد تعامل المجتمع المصري مع مجموعة القيم الإسلامية بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع كل شئي. مهيصة في مهيصة. لا يهم على الإطلاق أن تجيد عملك المهم أن تصرخ بأهمية إجادة العمل. حقيقة الأمر, لا يهم أصلا موضوع العمل هذا, المهم النية. المهم أن تقول إن العمل مهم. لا يهم بالمرة أن تحكم مجموعة القيم الإسلامية سلوكك وإنما يهم تماما أن تتحدث باستمرار عن أهمية أن تحكم مجموعة القيم الإسلامية سلوكنا جميعا. المهم أن تتكلم. المسألة كلام في كلام. المسألة مهيصة.

من الضروري الانتباه عند الحديث عن “فهم” المصريين للإسلام أن ننتبه إلى الدور الهام الذي تلعبه “المهيصة” في هذا الفهم. السؤال, بهذا الشكل, وهو سؤال حقيقي, هو: كيف أثرت المهيصة على فهم المصريين للدين الإسلامي؟
ارجع إلى بداية المقال … انتهي

كان هذا هو المقال، والتالي هو ما تبادر إلي ذهني بعد قراءته :

يقول الله تعالي : “كَبُرَ مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون” الصف 3
وهذا بالضبط هو ما أراه يحكم سلوك المصريين -كما نوّه- الدكتور كمال
يعيش معظم المصريين حالة مستعصية، مستفحلة، شديدة الوطأة من مرض يبدأ نفسياً، ولكن مع تأخر او سوء المعالجة او المعاملة او الإهمال، يجوز يتفاقم ويتحوّل إلي مرض عقلي؛
هو ما يُسمَي بالفصام أو الشيزوفرينيا؛ وتوصيفه الطبي متروك للأطباء؛ اما المقصود هنا هو حالة الانفصال والتباعد بين ما تؤمن به وتعتنقه من منظومة القِيَم والمبادئ (المرجعية) التي تكوّنت لديك علي مدي سنوات عمرك، وبين ما تعيشه تطبيقاً وممارسة في مختلف شئون واقعك وحياتك اليومية …

يقول د. كمال:
” لقد تعامل المجتمع المصري مع مجموعة القيم الإسلامية بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع كل شئي. مهيصة في مهيصة.”

وباستعراض أحوال المجتمع المصري، وعلي صعيد الدين مثلاً، نجد تلك القدرة الرهيبة علي الجمع بين آداء العبادات (كاملة غير منقوصة) من صلاة وصوم وحج وعمرات متتالية، وزكاة وصدقات، تؤَدي بمنتهي الاقتناع والالتزام؛ وفي نفس الوقت إتيان كافّة أنواع الموبقات والآثام، من أول اللمم وحتي الكبائر وانت طالع !!!
(الظلم بأنواعه،الفساد بأنواعه، الزنا، السرقة، الكذب، تقطيع الأرحام، الاعتداء بأنواعه، التحرّش
الرشوة، كل انواع الاغتصاب : مال عام، أعراض، حُرُمات، خصوصيات،
كل وكافة أمراض اللسان من لغو وغيبة ونميمة، وأمراض القلب من غلّ وحسد وكِبْر وعُجْب …. وكفايه كده) !

لدرجة أنني -ولشديد الأسف والخجل- سمعتُ مراراً وتكراراً، تساؤلاً مفاده :
” بالله عليكِ، ما وجه الربط الذي نلاقيه أحياناً -كثيرة- بين الالتزام الديني وسوء الخُلُق، أو علي الأقل قلة الذوق وسوء الأدب !”
وإذا كان لي أن أضيف تعليلاً لهذه الحالة السيّئة أقول :
لأن الالتزام بأداء الشعائر سهلٌ وميسور، وبخاصة مع التعوّد والاعتياد؛ ماهو عسير وشديد الصعوبة بل الوعورة هو أن تتعهّد نفسك بالتربية والمجاهدة والتقويم وتُصلحها بمكارم الأخلاق؛ بدءاً بتخلية القلب من أمراضه، وبهيمنة القلب علي سائر الجوارح ،
وبالعودة لسلامة القلب ونقاء الفطرة، يصبح العسير هيناً وسهلاً بصدق الاستعانة بالله ..

أما رغبتنا في الكلام والمهيصة، فهذا أمر تتوارثه الچينات في الثقافة العربية القديمة بجدارة !
فمن منا لم يسمع حدّ من أهله الكبار أوي بيقول : “يابني -او يا بنتي- ما ينفعش ..عيب .. مايصحّش، الناس تاكل وشّنا” !!!
وماعنديش أي فكرة عن كيفية صمود وشّهم، والناس نازلة أكل فيه، لان العيال طبعاً بينفّضوا، مابيسمعوش الكلام، ولا بيهمهم !

هذا موروث او فولكلور شعبي قديم، التقط خيوطه ببراعة نادرة المبدع نجيب محفوظ،
بثلاثيته التي جسّدها الرائع يحي شاهين في دورسي السيّد اللي بيمشّي بيته بالكرباج،
وهوه في العوّامة طول الليل !
و ” اوعي تكلّمني .. بابا جايّ ورايا ” !!!

وكبرنا، وقرأنا، وعرفنا أن أساس قبول العمل في الإسلام :
– أن تبتغي به وجه الله
– وأن يكون موافقاً لشرع الله
ما يعني أن الإخلاص ركن أساسي في العمل، واستحضار النيّة في إرضاء الله،
والتعبير بالعمل الصالح عن حبك له وتقواك إيّاه ..
وما يعني أيضاً ان مسألة الناس وكلام الناس وشكلنا قدّام الناس دي طلعت مش ولابد، ومشكوك في جدواها !

ونختم بما قاله الدكتور كمال :
” المهم أن تتكلم. المسألة كلام في كلام. المسألة مهيصة “

 
Leave a comment

Posted by on March 24, 2012 in About Islam

 

Tags: , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: