RSS

Daily Archives: March 27, 2012

(١) حدّ الرِّدََّة (الحدود من النَّقل إلي العقل)

” الحدود، من النَّقل إلي العقل ”
(رؤية جديدة للحدود في الشريعة)
المناسبة : أسلمة الحكم

(١) حدّ الردّة :

باستعراض مادة (ردد) في المعجم، منها الارتداد أي الرجوع عن الشئ، والردّة منه
وفيما يخصّ الدين، ارتدّ اي ترك دينه، وخرج منه، ورجع عن اعتناقه، والعمل بمقتضاه ..
وما ذُكِر عن هذا المعني في القرآن، قوله تعالي :
” … ومن يَرْتدِدْ منكم عن دينه فيَمُتْ وهو كافر فأولئك حَبِطَت أعمالُهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النَّار ..” البقرة 217
” يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينِه فسوف يأتي الله بقوم يحبهّم ويحبّونَه …”
المائدة 54
ونفهم من هذه الآيات الصريحة أن عقوبة الارتداد عن الدين عقوبة أخروية، موكول أمرها بالكامل إلي حكمة خالق الدنيا والآخرة، وعلمه ورحمته، وأن ليس هناك أيّة عقوبة دنيوية تتعلق بحدود او ما شابه .. في آية البقرة، يحذر رب العالمين المرتدّ من إحباط العمل، اي انه يضيع هباءاً ولايترتّب عليه جزاء ولا ثواب .
وفي آية المائدة يَعِد الله من ارتدّوا بقدرة الله المطلقة علي استبدالهم بأقوام يحبهم ويحبونه، في لمسة مشبّعة بالحنان والشفقة -في رأيي- فلله المَثَل الأعلي، أنت حينما ينصرف عنك أحدهم، وينقطع عنك، ولا يبادلك ودّاً بودّ، ألا تشعر بجرح وأذي، وتصبّر نفسك بأن هناك من يحبك ويحفظ لك الودّ ويبادلك المشاعر الطيبة؛ فما بالنا بربّ العزّة والجلال .. الذي رُوِيَ عنه سبحانه انه قال في حديث قدسي :
” أخْلُقُ، ويُعبَد غيري؛ أرزق، ويُشْكَر سواي ” !
أما مسألة الاستتابة ثلاثة أيام، وإلاّ فهو القتل ! فالمصدر فيها مرويّات و أحاديث موضوعة، لا تمتّ للقرآن بصلة، بل تناقضه وتتصادم معه؛ يقول تعالي :
” لا إكراه في الدين ..” البقرة 256
” فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .. ” الكهف 29
” ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غنيٌ كريم ” النمل 40
” من كفر فعليه كفره .. ” الروم 44
” .. ومن كفر فإن الله غنيٌ حميد ” لقمان 12
” لست عليهم بمصيطر ..” الغاشية 23
فكيف نفهم هذه الآيات الكريمة إلاّ في ظل كل ما يؤكد علي مفهوم الحريّة الفرديّة المطلقة،
والذي تنبني عليه مسئولية الإنسان الكاملة عن أفعاله، فيصبح اسم الله العدل مفهوماً ونافذاً؛
فالله بقوته وقدرته وعدله المطلق ما كان ليحاسب مُكْرَهاً، ولا مضطراً أبداً؛ لانه بذلك إنما يخلق مجتمعاً من المنافقين الكذّابين الذين يضطرون دائماً لإظهار غير ما يُبطِنون؛ والمنافق في الإسلام ليس له جزاءاً في الآخرة إلاّ (الدرك الأسفل من النار) أعاذنا الله

وفي هذا السياق، يقول الباحث الإسلامي أحمد ماهر ما يلي :
يعبر قوله تعالى في الآية التالية عن حرية الدخول والخروج أكثر من مرة في الإسلام مما يؤكد عدم قتل المرتد: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً}النساء137.
ولكن هذا ما كان ليرضي فقهاءنا القدامي الذين نحافظ علي ما تركوه من تراث في الأزهر، فنعلم أبناءنا الإرهاب باسم الإسلام؛ فبمنهج السنة الثالثة الثانوية أزهري واسمه الاختيار لتعليل المختار، وفي ص366 تحت عنوان أحكام المرتد ما يلي حرفيا:[وإذا ارتد المسلم ـ والعياذ بالله ـ يُحبس ويعرض عليه الإسلام وتُكشف شُبهته فإن أسلم وإلا قُتل]؛ فكيف يُقتَل المرتد والله تعالى يقول: “وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ …. ” الكهف29؛
فمعنى قوله تعالى: فَلْيَكْفُرْ أنه كان مسلما قبل الكفر..

إن المشجعين لقتل المرتد يتخذون من الحديث النبوي المزوّر على رسول الله تكأه لهم في تلك المناهج الضالة، حيث روي بكتب الصحاح أحديث تشجع على قتل المرتد، بل تشجع على أن يستنبط من يستنبط بأن هذا مرتد وذاك باق على الإسلام، فعندهم حديث: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ.). وحديث ( لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ)،
لذلك فهم يؤكدون على وجود حكم قتل المرتد من خلال تلك المرويات، ونجد أن جميع أعمال الإرهاب والقتل في مجتمعات المسلمين علي مدى التاريخ كانت بفتاوى مؤسسة علي [روايات من بدل دينه فاقتلوه ] الواردة في كُتب الحديث وهي من صُنع البشر.
– النصوص الإلهية الدالة على عدم قتل المرتد وعدم إجبار الناس أو إرهابهم للبقاء في الإسلامـ يقول تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس:99)
إذن لا إكراه في دخول الدين الإسلامي ولا إكراه على البقاء فيه، وان الله قد شرع التوبة للمرتد.

ورسول الله، والذي أوتى الحكمة، والحكمة هي الرشاد، فليس من الحكمة ولا من التطبيق الواعي للقرءان القنوط من رحمة الله والحكم بعدم إمكان توبة المرتد، بينما نتشدّق بأنّ رحمة الله تدرك الفارّين من دين الله إلى ما قبل الغرغرة، وأن إفتاء الأئمة الأربعة بشأن عقوبة المرتد ليس بحجّة على كتاب الله الذي جعل له توبة وكفل له حرية العقيدة؛ كما وأن تصرفات بعينها قد تصدر من الفرد لا تعطينا الحق أبدا للحكم عليه بالارتداد.
هذا فضلا عن أن المنهج العملي لرسول الله الذي سطّره عمليا في صلح الحديبيةـ بعد قيام دولة الإسلام بالمدينة المنورة ـ يبيح للناس ترك دين الإسلام دون عقوبة، في الوقت الذي كانت فيه القلوب غضّه في ريعان الإيمان ويخشى عليها الفتنة من أي فرد يرتد،

فعلى ذلك وبالقياس الصحيح في حال وجود أمّة إسلامية فإن السنّة العملية تحتّم علينا ألا يقتل الفرد المرتد حتى لا يكون البقاء في الإسلام إرهابا من حد القتل المزعوم ودعوة لممارسة النفاق خوفا من سيف الإسلام، وإنه لو حذت الشرائع التي قبلنا (اليهودية والنصرانية) حذونا ما وجدنا مسيحيا يدخل في دين الإسلام….. فهل هذا لأنهم يطبّقون دينهم السمح في عدم قتل المرتد عن النصرانية ! وكيف نعيب عليهم إجبارهم من يسلم منهم ـ بواسطة الضغط الاجتماعي ـ العودة إلى النصرانية أو اليهودية ؟؟؟
ولابد لأهل الإسلام من مراجعة دقيقة لحكم المرتد ومراجعة دقيقة أكثر في الحكم على من لم يصرّح علنا بالارتداد رغما عن ظاهر ما يبدو من أعماله التي تبدو لنا ارتدادا، وألا نقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق ..

 
Leave a comment

Posted by on March 27, 2012 in About Islam

 

Tags: , , , ,

الحدود من النّقل إلي العقل “مقدمة”

الحدود من النّقل إلي العقل “مقدمة”
كان لا بد من التنويه عن أسباب اهتمامي بموضوع الحدود وفهم معني تطبيق الشريعة :

أولا : الهجمة الشرسة السلفيين والماضويين ممن يزعمون ويدّعون احتكار الحقيقة المطلقة والفهم الأوحد عن الله ومراده من آيات قرآنه، وشريعته و سنة رسوله الذي أشركوه مع رب العالمين في التشريع، بسعيهم الحثيث نحو إلزامنا بمرويّات موضوعة تخالف وتناقض القرآن، تأويلا سيّئاً للآية :” وما ينطق عن الهوي إن هو إلا وحي يوحي ” فالآية -كما أفهمها، لاتصف مجمل كلام النبي في كل أوقات حياته، وإنما تخصّ بالذكر الوحي والوحي فقط، وإلا فلو كان معصوماً، ولكل ما يقوله قداسة، فما بال الله يعاتبه، ويلومه ويوجّهه في أكثر من موضع في قرآنه ؟! في الإسلام لا عصمة ولا قداسة ..
الله فقط هو القدّوس ..

ثانياً : الله هو المشرّع الأوحد، ولم يشرك معه أحداً في هذا، حتي الأنبياء علي عظم قدرهم وأدوارهم، وكل من يقول او يعتقد بغير ذلك، فهناك خلل في عقيدته الايمانية ومدي تصديقه بالوحدانية الحقة .
رسول الله محمد(عليه الصلاة والسلام) ابتعثه الله ليشرح ويبيّن ما استغلق علي أفهام المؤمنين من شئون دينهم وشريعتهم، وليجسّد الله بحياته وبشريته وسيرته، قدرة البشر علي الالتزام بمنهج الله، وأهليّته للتطبيق والتفعيل في الدنيا، ليكون نعم القدوة، يقول تعالي :
” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ..” الأحزاب 21
” قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إليّ أنما إلهكم إله واحد ..” الكهف 110

ثالثاً : خلق الله الإنسان ثم أرسل له الرسل والشرائع، لتنظيم حياته، ولإنفاذ غاية الاستخلاف، بما يحقق له حياة كريمة، لها هدف أسمي هو تعمير الأرض والسعي فيها والاستمتاع بكل ما أحلّ الله، ولها غاية منشودة، وهي ابتغاء رضوان الله وحبه وتقواه؛ وفي سبيله لتحقيق هذا الهدف وتلك الغاية، يخوض معارك وأزمات وصراعات شتّي، سعياً لإلزام نفسه بما عاهد عليه الله، ورغبة في السيطرة والتحكم في نوازع نفسه، ليصل إلي ما يُرْضي الله في المقام الأول، وأقصد ” مكارم الأخلاق ” ..
فحين أراد الله أن يمدح نبيّه، قال :
” وإنك لعلي خُلُق عظيم ” القلم 4
وحين أراد رسوله أن يحدّد سبب بعثته كما فهمها، أو كما أفهمه الله،رُوِي عنه أنه قال :
” إنما بُعِثتُ لأتمم مكارم الأخلاق “.

رابعاً : الدين مهمته صلاح أحوال البشر والتأكيد علي ما تعارفوا عليه قبل الأديان من حقوق للإنسان ومجموعة او منظومة القِيَم والأخلاق التي تفرّق و تميّز المجتمعات الإنسانية عن حياة الغاب او الكهوف البدائية العشوائية رعوية كانت او قبلية او حجرية !
ولأن الانسان اقدم من الدين ولان الاخلاق اقدم من الدين؛ فلم يكن الدين ليقيّد الحريات او يجلب الضرر لمعيشة الانسان او يزيده عذاباً ومعاناة واكتئاباً، لدرجة تنفّره وتبغّض إليه الحياة نفسها !
حاشا لله رب العالمين الرحمن الرحيم اللطيف الودود الكريم أن يكلّف نفسه عناء خلق هذا العالم بكل ما ومن فيه علي هذا النحو الرائع من الدقة وحسن التنظيم، ثم يرسل الرسل وينزل الكتب ويقرّ الشرائع ليفعل ذلك بالناس .. لا يستقيم الأمر علي هذا النحو.

خامساً : لذلك كله انا أؤمن بالمقولة (حيث كانت او تكون مصلحة البشر، فثمّ شرع الله)
فهذا هو الهدف الأسمي : مصلحة البشر؛ البشر علي اختلاف وتباين خصالهم وطبائعهم في مختلف العصور والأزمان ..
مصلحة هذا الإنسان المخلوق الذي تتصارع لديه طبيعتيه الجسدية (بنزعاتها البهيمية ورغباتها المادية المحمومة)، والروحية (بنزوعها الفطري الغريزي نحو خالقها وبارئها ومنشئها من عدم) قناعتي أن الله بأسمائه الحسني وصفاته العليا لم يشأ أن يخلقه بهذه الكيفية التي تميّزها الإرادة الإنسانية، ويزيّنها العقل والفكر، ثم يتركه وحيداً في العالم كاللغز والطلسم شريداً حائراً تتخبطه الصراعات وتمزقه الحيرة وعدم القدرة علي إيجاد الطريق ..
اختصّه بالإرادة والعقل، وأرسل أنواع الهِدايات، ومتّعه بالحرية والكرامة، وحمّله الأمانة؛ وهي مسئولية الاختيار؛ فعليه أن يُوقن بالمحاسبة والجزاء ..
إذن لا تكليف دون منح من عقل وإرادة وحرية ورسل وكتب،
ثم لا محاسبة دون فهم وإرادة وحرية واختيار ..
” ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها ” الليل (7-10)

سادساً : نسعي هنا لبيان دين الله، والذي نري انه تم الاعتداء عليه من قِبَل المؤسسات الدينية الرسمية بكهنوتها وفقهائها ودساتيرها وتشبّثها بالفقه القديم والفقهاء القدامي، علي طريقة ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأنهم كانوا رجالاً، ولانصلح سوي ان نكون لهم نعالاً !
وعلي طريقة فقه الآبائية، الذين يرفعون شعار “هذا ما ألفينا عليه آباءنا” !
ما حذّرنا منه قرآننا !

*** لا ولن نقبل أن يحكمنا ويتحكّم فينا دين الفقهاء !
لا ولن نقبل إشراك الله بمشرِّع آخر، فلم يُبعَث رسول الله مشرّعاً، بل هادياً ومبشّراً ونذيرا ..
ومن يَزْعُم أن السنّة جاءت مكمّلة للقرآن، فليتحمّل وزر ما يقول، لأنه هكذا يُوصِم القرآن بالنقص وعدم التمام او الكمال -حاشاه- وإلاّ لما احتاج إلي إكمال أو تكميل !
” .. لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلّ ..”
الأعراف 179

مبعث اهتمامي بهذا الموضوع، اننا فوجئنا بعد الثورة بجحافل السلفيين المتأسلمين،
قليلي الثقافة، ضيّقي الأفق الذين يريدون أن يحكمونا، إنفاذاً وتنفيذاً وتطبيقاً لشرع الله، والتمكين في الأرض لإقامة دولة الخلافة الإسلامية، او كما قال أحدهم في الميدان :
الولايات المتحدة الإسلامية !!!

*** عن أية شريعة يتحدثون ؟ وعن أيّ حدود يصرخون ؟
أشعر أن لدي البعض من مروّجي تلك الأفكار بغير علم، حاجة كده أشبه بالسّاديّة ؟!!!
الله .. رجم .. وجلد .. وتقطيع .. عقوبة .. وعذاب !!!
لو بأيديهم، لقلّصوا رحمة الله، ويمكن .. يمكن يلغوا الجنّة !!! ماحدش عارف !!!
لذلك كله، سنستعرض مفهوماً آخر للحدود في الشريعة، يعتمد إعمال العقل في النصّ القرآني،دون التقيّد بفقه قدامي المفسّرين، الذي ينبغي أن ننزع عنه القداسة التي تجعلنا نحتفظ به، ولا نحيد عنه طوال ثلاثة عشر قرناً أو يزيد !
لم يكن الله سبحانه وتعالي، ليَهَبهم نعمة العقل والقدرة علي التفكير، ويحرمنا !

و … لنرحم أنفسنا، وبعضنا البعض، ثم نتوجّه لطلب الرحمة من أرحم الراحمين ..

نبدأ بحدّ الرِّدّة …

 
Leave a comment

Posted by on March 27, 2012 in About Islam

 

Tags: , , ,