RSS

عائدة من عاصمة “امبراطورية”

21 Apr

منذ عدتُ من لندن،
او بالأحري من قبل العودة يشغلني التفكير فيما يجب أن يتغيّر في حياتي، باعتبار أن السفر -خاصة إلي أحد بلدان أوروبا- هو تجربة فريدة من نوعها بالنسبة لامرأة عربية مسلمة تنتمي قلباً وقالباً إلي أحد بلدان العالم الثالث (ولو فيه عاشر كان يبقي احنا !)
ولأنني علي قناعة بأن : “الحكمة ضالّة المؤمن، أنّي وجدها، فهو أحقّ الناس بها”
فقد قرّرت ألاّ تمر هذه التجربة دون استفادة تهدف للتغيير للأفضل؛ لو حتي علي سبيل الاقتباس !
فهؤلاء صنّفوا أنفسهم أو صنّفهم العلماء والمؤرّخون، علي أنهم من العالم الأول، ولديهم كل الحق .
فهم أكثر شعوب الأرض تقدّماً وحضارة .. علماً وبحثاً .. نظاماً ونظافة .. رقيّاً وتهذيباً .. حريةً وانفتاحاً .. مراعاةً لحقوق الإنسان والحيوان، بل والنبات !
منذ اللحظة الأولي، وقبل أن تحطّ الطائرة علي أرض مطار هيثرو، تداعب عينيك رقعات الخَضَار الرهيبة؛ والتي يقدّرها مثلي بالذات، ممن لا يسافر إلا إلي دول الخليج منذ مدة طويلة، حيث الصفار والصحراء الشاسعة !
تنتشر الحدائق والمنتزهات في كل مكان -بشكل مستفزّ- أينما نظرت تصافح عينيك وروداً جميلة زاهية، ذات ألوان بديعة،
غاية في الروعة والإبهار، ونباتات نادرة، بل وطيور لم أرَ مثلها من قبل !
هؤلاء قومٌ يعرفون الله، ويتّقونه بالفعل لا بالكلام ..

فحينما يقدّسون الحرية الشخصية، ولا يتطفّلون ولا يحشرون أنفسهم فيما لا يعنيهم !
وحينما يتمتع كل امريءٍ بحريته كاملة طالما لم يعتدِ علي أحد،
وحينما يحترم كل منهم جميع من حوله، ويحترم دوره، يردّ بتهذيب، ويسارع بالاعتذار إذا أخطأ،
لا يهتم بنظافته الشخصية فقط، بل بنظافة كل المكان من حوله،
يحبّ الطبيعة، يحب ويحترم الحيوان، يهتم بالنبات ويحيط نفسه به أينما حلّ !
كانت -بالنسبة لي- رحلة إيمانية، يصاحبني فيها ذكر متواصل لله -سبحانه- تعجّباً وانبهاراً بجمال وإبداع خَلْقه ..
تأمّل مستمر لإبداع بشر، آلَوْا علي أنفسهم إبراز جمال خلق الله من الطبيعة حولهم، رعايتها، وتقديمها في أبهي وأروع صورة ..
أليس هذا هو .. مراد الله من الخَلْق ؟؟؟
أحسستُ بروعة خَلْق الله بأعمق وأشدّ من آلاف المحاضرات والقراءات ..
الأوروبي، والإنجليزي بصفة خاصة، يقدّر قيمة عمله، ويعلم تماماً مسئولياته تجاهه،
فيقوم بها دون انتظار رجاء أو طلب أو تعنيف !
يركّز في نفسه، من هو وماذا يريد، وما هي أهدافه الحقيقية في الحياه؛
يطوّر نفسه باستمرار، وينمّي مهاراته وقدراته دون خجل او كسل، يقرأ بنَهَم، ويطّلع علي كل جديد؛
حينما يفعل كل ذلك، يكون مستشعراً للمعني الحقيقي للحياه علي وجه الأرض،
بمعني الاستخلاف الذي أراده الله من محبّيه والمؤمنين به من كل جنس ودين؛ حتي ولو لم يطنطنوا بالحديث عنه
عمّال علي بطّال !
لم يَقل أحد رؤساء الحكومات الإنجليز (من قبل تشرشل وحتي كاميرون) لشعبه :
إحنا مش بابا وماما !
يعمل كل منهم لمصلحة بلده وشعبه بمنتهي الجدّ والتفاني والإخلاص ..
أقمتُ في وسط لندن التي ستُقام بها الأوليمبياد القادمة، والتي تستلزم الكثير من أعمال الحَفْر والإنشاءات ..
لم أصادف موقع عمل واحد يخلو من لافتات وعلامات إرشادية لا تعوق الناس او تعطّل طريقهم !
كل محطة أنفاق تسمع نفس التحذير: ” please mind the gap between the train & the platform ”
يتمتّع ذوي القدرات الخاصة بأولوية خاصة تؤهلهم وتساعدهم علي الاندماج في المجتمع بشكل طبيعي ..

يُوْلِي الأوروبيون -بصفة عامة- اهتماماً خاصاً للعلوم والفنون ..
اهتمام العالم الأول وعلي رأسه أوروبا بالعلم والبحث العلمي -رغم التقدّم الأمريكي المبهر والمذهل- واضح وغني عن التعريف
او التدليل .. فالعالم يسعي خلفهم، بل يلهث وراء كل اختراع وابتكار ..
أما اهتمامهم بالفنون، فقديم وموروث في چيناتهم منذ بزوغ شمس حضاراتهم الإغريقية والرومانية العريقتَين .. فهم يقدّرون الفنون، ويجيدونها، ويتذوّقونها منذ نعومة أظفارهم !
(وقد رأيتُ بعينيّ الآباء والأمهات يشرحون ويفسّرون لأبنائهم وبناتهم تحت العاشرة لوحات ومنحوتات رائعة في المتاحف، بمنتهي الصبر والدأب؛ ولا يخلو متحف من قسم يوفّر المسئولون فيه الأدوات والألوان التي تلزم الأطفال للتعبير عما رأوه وانفعلوا وتأثّروا به، ويودّون لو يحاكوه)
هكذا تُنَمّي المواهب وتُكتَشَف الفنون والقدرات .. رأيتُ في المتاحف البريطانية المختلفة من الآثار واللوحات والمنحوتات المختلفة
ما تعجز اللغة عن وصف جماله وروعته وقيمته الفنيّة المتفرّدة ..

حب الرياضة لديهم عجيب ! في عز البرد والمطر، لا يخلو شارع من رجال ونساء يجرون بانتظام وفي قمة النشاط ..
استفزّني أيضاً حبهم للقراءة أثناء رحلاتهم اليومية في وسيلة مواصلاتهم الرائعة (مترو الانفاق) ولكن يا لجمال المترو وجمال الأنفاق ! في حياتي لم أركب مواصلات عامة إلاّ بأقل من عدد أصابع اليد الواحدة، لأنني بطبيعتي لا أطيق الزحام ولا التلاصق بين الناس ولا أتحملهما ولا تبعاتهما -في بلدي- ورغم ذلك فوجئت بنفسي وقد قضيت الفترة كلها “أتنطّط” من محطة إلي أخري، بعدما تعلّمت قراءة خرائط الأنفاق، واكتسبت مهارة إحترام اللافتات والعلامات الإرشادية التي نضعها في بلدنا للمنظرة ولزوم التمثيل، وكأننا بنفهم ! وماحدش بيبصّ لها أصلاً !
هناك في بلاد الفرنجة، حيث الحياه كما ينبغي لها أن تكون، حيث العيشة بجدّ وبحقّ وحقيقي !
لا تمثيل ولا مهيصة ولا كتر كلام في الفاضي والهايف وفنّ التعبئة السخيف القميء !
تعبئة الجرايد والبرامج والقعدات والاجتماعات والندوات والمسلسلات بكلام شكله مرصوص ومترتّب، لكن لا مضمون ولا جديّة ولا روح ولا حماسة، والمحزن ألا نيّة ولا حتي رغبة في تنفيذ أيّ منه ! والغريب العجيب أن الكل يعلم ويوافق،
بل ويشارك في هاتيك المهازل !!!
هؤلاء أناس يَعْنون ما يقولون، ويفعلون ما يقولون، بل لا يقولون سوي ما سيفعلون !
وهذا بالنسبة لسكان ابتلاهم الله بالعَيْش وسط مواطني العالم العاشر زيّ بلدنا، يبقي الكلام الجدّ أسطورة وحدّوتة قديمة وانقرضت زيّ العنقاء والخلّ الوفي! بلدنا، حيث المهيصة والعشوائية والفهلوة والسبهللة والحداءة والبذاءة هي القيم والمبادئ السائدة والمتعارف عليها، والمقبولة لدرجة انك لو حبيت تشذّ عنها تبقي بتتآلط وتتفلسف وتتعنتظ ! وياعم فوووق وعيش عيشة أهلك ! ونفّض وكبّر و…. و…. !!!
أما عن سلبياتهم، ونقائصهم، فلم ألتفت إليها أو أُولِها أيّ اهتمام؛ لأن ما لديهم من إيجابيات يفوقها ويتجاوزها بمراحل؛
ولأنني كنت ومازلت أنشد الحكمة، كما نوّهت في البداية ..
لم تغادر مقولة محمد عبده مخيّلتي، التي قالها بعد أول رحلاته إلي الغرب :
” وجدتُ إسلاماً ولم أجد مسلمين ”

أعرف وأدرك تماماً أنها تجربة شخصية فردية، وان انفعالي بها سيخمد ويخبو بعد فترة، ولكني أردتُ أن أسجّلها إحساساً بمن شعر بكل ذلك وعبّر عنه بصدق ونجح في تغيير حياته وحياة من حوله إلي الأفضل وتمكّن من تقليد واقتباس الجيّد والنافع والمفيد لدي هؤلاء الناس ..
قرأتُ لبعضهم ما كتبه بعد انبهاره بالغرب وسلوكياتهم وأسلوب حياتهم، وعن محاولاتهم -الفاشلة للأسف- إفهامنا وإقناعنا بأن نكفّ عن أساليب الفخر والزهو الفارغ بأصولنا الشامخة وحضاراتنا القديمة، وبأننا ” أم الدنيا، وأسياد الناس،
والشقيقة الكبري ” والعكّ الأزلي بتاع أحفاد الفراعنة و المصريين أهمّه والذي منه !!!
متي سيُنْعمُ الله علينا بالإفاقة من مخدّر النوم في عسل الأمجاد القديمة، و الخيريّة اللي بنتشدّق بها كل شوية ! ووَهْم اليهود الصهاينة اللي قلدناهم فيه، وهو اننا “شعب الله المختار” !!!
ياريت حياة أبوكوا حدّ يتطوّع ويتكرّم ويقوللي : بأمارة إييييييه ؟؟؟
وبخاصة ما يتفق منه ونصوص ديننا الصريحة الواضحة التي تدعو للاهتمام بدنيانا التي فيها معاشنا، إعمارها وتحسينها وتجميلها وتطويرها بكل الوسائل والسبل والأسباب التي تجعلها جنة الله علي أرضه، وتزيد من استمتاعنا بحيواتنا فيها
-بالحلال وبما يُرْضي الله- علي الوجه الأروع والأكمل .. مش نمصمص شفايفنا ونلوي روسنا،
ونقول لبعض بمنتهي الجهل والبلاهة، بل والبجاحة :
دوله كَفَرة، ماعندهمش دين !
” لهم الدنيا، ولنا الآخرة ” !!!!!

 
Leave a comment

Posted by on April 21, 2012 in Miscellaneous

 

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: