RSS

هل رزقنا الله القدرة علي فهم مراده ؟

21 Jul

استمرارًا للحوار الدائر حول ما إذا كان الجنس البشري يمكنه أن يعرف مراد الله من كل هذه الأوامر والنواهي الواردة في كتابه الكريم, أرسلت هذه الرسالة لمركز تطوير الفقه السّني القديم ومديره السيد الدكتور كمال شاهين الذي تفضّل مشكوراً
بالردّ عليها؛ كتبتُ أقول :

يحتاج العمل بأوامر الله إلى فهم أوامر الله, ويحتاج فهم أوامر الله إلى فهم مراد الله من هذه الأوامر. لا يمكنك تطبيق أوامر لا تفهم الهدف منها !

وأستأذنكم في القول: بل نحن نعرف مراد الله من أوامره ونواهيه. لماذا ؟ لأن الله قد أخبرنا بذلك بالفعل.
كيف لمن قرأ القرآن بتدبّر ألاّ يدرك قيمة ما يمكن أن نطلق عليه “فنّ التذييل” ؟
ما السر إذن في تكرار كلمات بعينها مثل : “لعلكم ….”, و”ما أدراك ….”, و” وما يدريك …..”, لقد ضمّن رب العالمين حكمة أوامره ونواهيه في محكم تنزيله الحكيم.
وعلينا كمسلمين مؤمنين بوحدانيته وقيّوميته أن نقرأ ونتدبّر حتي نَعي وندرك لعلنا نفهم.
كلٌ منا على قدر طاقته و اجتهاده. منا من يجتهد بكامل طاقته، فيفتح الله عليه بحسن الفهم، وحسن التلقّي
ويُنعم عليه بفيوضات من عطائه ما يجعلك تشعر بما نسمّيه نحن “السهل الممتنع”، بمعني أنك حين تسمع تفسيره وتحليله للمعني، تتعجب من عدم قدرتك علي الوصول إليه رغم سهولته, وبساطته, وبداهته.
وما هذا – في تصوّري – إلاّ لأنه أخلص النيّة وصدق العزم وأخذ بأسباب الفهم.
تذكّروا قوله تعالي :”ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ….” الأنبياء 47
تمعّنوا لمَ جاءت “الموازين” بالجمع المعرَّف. لاختلافنا، واختلاف ظروفنا, وبيئاتنا, وأفهامنا،
وكل ما يمثّلنا كبشر، أحدنا عن الآخر. لا يُعْقَل أن يكون ميزاننا واحداً رغم إرادة الاختلاف الإلهية. لا يمكن.
البشر الغافلون، المغيَّبون، الخائبون، المتأَلّون علي الله هم الذين لا يملكون سوي نفس الميزان.
ميزان واحد، رؤية أحادية، ضيق أفق، عِنْد, وكِبْر، وعُجْب !!! خلطة كارثية.

لا أجدني أبالغ إن قلت: “أنت إنسان بقدر ما أعملتَ عقلك”. تكمن قيمتك في محاولتك أن تفهم.
بل أقول: لن يحاسبنا الله إلا بقدر أفهامنا – أي قدرتنا علي الفهم. ولمَ أقول ما قلت؟
لأنني على قناعة أن رب العالمين سبحانه لم يضع المنهج بـ “افعل ولا تفعل” لإنسان آلي،
أو روبوت، أو حتى مسوخ بشرية تسمع فتطيع…
هناك جنس كامل يسمع فيطيع، ولكنه “لم يحمل الأمانة” بل أشفق منها ضمن من وما أشفق؛
وحملها الإنسان. نعم وصفه الله بالظلم والجهل، لعلمه الأزلي بثِقَل الأمانة وتَبِعاتها.
وبقدر ثِقَلها، بقدر فرحته سبحانه بإقبال الطائع – عن فهم – مع مقدرته علي العصيان؛
ولذلك كرّمه، وأكرمه، وأسجد له جنس الطائعين بغير اختيار من الملائكة الأبرار،
الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمَرون.
ماذا يحدث يوم عرفة ولِمَ يباهِ الله بنا الملائكة ؟
المنهج ليس للطاعة بقدر ما هو للفهم وإعمال العقل, بدليل انتشار المعاصي وإدانة الأكثرية في معظم آيات القرآن.
يحب الله ممارسة رحمته ورحمانيته…
هو أفرح بتوبة العبد الصادق من أحدكم إذا وجد راحلته بعد أن فقدها في فلاة.
قد تزلّ وتخطئ، وتأثم وتذنب، بل قد تأتي بكبيرة أو حتي كبائر، ثم تفيق، وتدركك الرحمة فيتوب عليك، فتتوب،
وتُقْلِع عن الذنب، وتستطعم حلاوة التوبة النصوح، وتذوق لذة طعم الرجوع والإنابة، فتؤمن أكثر وتخشع أكثر،
وتشعر بما ستره عليك الحليم الستّير؛ مما لو كان أدركه بشر، لكنت منبوذاً محقوراً…

والهدف؟ معرفة الله، والتقرّب إليه وحبّه، وحبّ كل عمل يقرّب لحبّه.
كيف “تحب” من لا تفهمه ؟! كيف تستطيع أن تحب من لا تفهم عنه ؟!
اعتقادي أنك لن تؤجَر علي طاعة لم تعملها بحبّ، بل برغبة وطواعية وإقبال.
لأن المساوِي لكل هؤلاء هو كلمة واحدة وزنها عند الله كبير، هي “النيّة”.
وصدق النيّة لا يكون بغير هؤلاء : فهم، فإقبال بطواعية عن رغبة وحبّ.
وبغير هذا فلينتظر من شاء ما شاء، ولا أظنه ملاقٍ ما يبحث عنه. وهنا أتذكر الآية :
“قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا” الكهف 103

هذه الآية من أكثر الآيات التي تتضمّن ما أستعيذ بالله منه وبمنتهي الإصرار. أعاذنا الله وإياكم من ضلال المسعي ..

(انتهي)

وكان هذا تعليق د. كمال :

“كيف تحب من لا تفهمه؟ كيف تستطيع أن تحب من لا تفهم عنه؟”

 إننا لا ندرس هنا نوع العمليات الكيميائية عند اتحاد الأوكسيجين بالمعادن، ولا ما إذا كان غاز الكيه إف سي هو المسؤول حقا عن ثقب الأوزون
ولا نوع العمليات الصوتية التي تحكم التغيرات الصرفية في أفعال اللغة العربية.
نحن “نتكلم” عن علاقة خاصة جدا… علاقة الإنسان بربه…

بالمناسبة لا أذكر على الإطلاق أن استخدم كتاب واحد في الفقه السني القديم كلمة “حب”.
أو أن هناك تقدير؛ أي تقدير “للحب”. أي “حب”…
حب الأم، حب الوطن، حب الطبيعة، حب الجمال، حب الفن..
طبعا فكرة حب الله هي فكرة “أعجوبة” في الفقه السني القديم !
حب؟ عمَّ تحدثنا يا بني؟

أذكر أنني كنت في الكويت عندما طلبت أستاذة جامعية كندية مقابلتي للحديث عن وضع المرأة في الفقه السني القديم.
كانت قد حضرت بناءً على طلب حكومة الكويت للمساعدة في تطوير مستشفى الأمراض النفسية
وخاصة الجزء الخاص بعلاج المرأة الكويتية.
قابلت السيدة الفاضلة وتحدثت معها عن نظرة الفقه السني القديم إلى عقد الزواج على أنه عقد تلذذ يتمكن الرجل بموجبه من التلذذ. حدثتها عن كيف ينظر جمهور فقهاء السنة القدامى إلى هذا العقد على أنه عقد إيجار يقوم فيه الرجل باستئجار بضع المرأة على حين لم ينظر إلا عدد قليل من الفقهاء إلى هذا العقد على أنه عقد تمليك !
وسواء كان تمليكا أم إيجارًا فالعلاقة هي “علاقة عمل” يغيب فيها أي بعد “شخصي” غيابا تاما.
العلاقة لا تزيد عن علاقة “استخدام بُضْع” تقوم فيها المرأة بتقديم “بُضْعها” مقابل أكلها وسكنها.
وهي مطالبة بتقديم البضع “ولو كانت على التنور” !
تحدثت كذلك عن كيف أعفى الفقه السني القديم المرأة من أي التزام تجاه “أطفالها” !
إلى درجة أن من حق المرأة المسلمة أن “ترفض” إرضاع أطفالها إلا بمقابل تعويض مادي !
وهو ما يتفق مع نظرة الفقه السني القديم إلى أن الأطفال “ملك” الرجل،
وعليه فهو المسؤول، طبعا عن توفير الطعام لهم.
أي أن المرأة المسلمة (في نظر الفقه السني القديم) هي “الحيوان الوحيد” غير المسؤول عن إرضاع أطفاله.

استمر الحديث حوالي ساعتين بذلت فيهما جهدا كبيرا لبيان “المصيبة السوداء” المسماة الفقه السني القديم ..
وكيف قام هذا الفقه بإضفاء الشرعية الإلهية على علاقة تخلو “تماما” من أي ارتباط عاطفي بين المرأة والرجل.
يمكن للرجل في الفقه السني أن يعيد “المرأة الأكولة” إلى بيت أهلها، حيث إن ذلك يجعلها “بضاعة معطوبة” يحق له ردها ! يمكن للمرأة أن تحصل على طلاقها من زوجها “على الواقف” في حالة إفلاسه حيث لم يعد من حقه “التلذذ” !
بعد أن عجز عن دفع الإيجار. إيجار البضع.

بعدها بيومين قابلت أحد الأصدقاء الذي كان حاضرا الاجتماع – طبيب نفسي – وفوجئت به يعاتبني على الطريقة التي تكلمت بها، وكيف أن السيدة الكندية قد انزعجت من طريقتي في الكلام واعتبرتها إهانة لها.
يعني, قصة ثانية. لم أفهم طبعا الموضوع وعليه طلبت منه التوضيح. المشكلة كانت -كما أوضح لي-
أني كنت أتحدث بمنتهى “الموضوعية” !
كيف لإنسان “متحضر” في القرن الحادي والعشرين أن يتحدث “بموضوعية”
عن مواضيع “تصرخ” بالإهانة للمرأة؛ والذل والتحقير؟
كيف تتحدث عن جريمة وكأنك تتحدث عن مؤشر الأوراق المالية في سوق الأوراق المالية بلندن؟
وعليه فأنا …

أُدين الفقه السني القديم البدائي عدو الإنسانية وعدو دين الله.
لن نسمح لمجموعة من الرجال البدائيين فاقدي الصواب، عديمي الإحساس، عديمي الخلق،
أن يفسدوا حياتنا ويشوّهوا ديننا. لم يخلق الله آلات وإنما خلق بشرا.
لم ينزل الله كتالوج تعليمات صيانة آلات، وإنما أنزل كتاب هداية.
وقبل كل شئ وبعد كل شئ فإن “ربي رحيم ودود”.
هل نحتاج بعد ذلك إلى شئ؟
ماذا يمكننا أن نطلب من الله أكثر مما يخبرنا هو به. الله رحيم ودود..
هل هناك أروع من ذلك؟

المسألة في نهاية الأمر ليست علمية، المسألة إنسانية.

 
Leave a comment

Posted by on July 21, 2012 in About Islam, Sunni-jurisprudence

 

Tags: , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: