RSS

أساطير الأوّلين (٢/١)

06 Dec

أساطير الأوَّلين .. محاولة فهم
الجزء الأول (٢/١)٠٠

تعقيباً علي ما أسبغه مدير المركز ـ كعادته ـ من عناية واهتمام بموضوع أساطير الأوّلين، والذي بدأ بالتعليقات
حول رواية (ثوبي والحجر)؛ أثار بعض النقاط التي يسعدني أن ألقي عليها مزيداً من التفصيل :٠

نصّ الحديث هو :
“لحديث رواه البخاري بكتاب أحاديث الأنبياء برقم[ 3223 ]. يقول الإمام الأعظم محمد بن إسماعيل البخاري، رضي الله جل وعلا عنه وأرضاه:

“حدثني إسحاق بن إبراهيم حدثنا روح بن عبادة حدثنا عوف عن الحسن ومحمد وخلاس عن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة وإما آفة وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا فذلك قوله :

“يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها” (انتهي)

نلحظ أن حديث الرسول هنا هو حديث ودِّي للغاية يخبر فيه الصحابة المتحلِّقين حوله يستمعون إلى هذه القصة الجميلة عما حدث لسيدنا موسى، وكيف ركض الحجر الشقي بثيابه وجعله يلهث وراءه عاريا، وكيف لحق به سيدنا موسى وأخذ منه ثيابه ثم انهال عليه ضربا لقلة أدبه. الجو ودّي للغاية لدرجة أن رسول الله يقسم على أن هذا الضرب قد أثر على الحجر إلى درجة أنه قد خلف ندبة تبدو كما لو كانت عاهة مستديمة، وإن كان صلى الله عليه وسلم لا يذكر بالضبط ما إذا كان عدد الندب التي خرج بها الحجر من هذه العلقة “ثلاثا أو أربعا أو خمسا”.
الأمر بهذا الشكل قد أصبح معقدا للغاية.
رسول الله هنا يحكي لنا هذه القصة الجميلة ليس كمن “سمعها” وإنما كمن “شهدها”. موضوع العاهة التي أصيب بها الحجر المظلوم (فالحجر طبعا مظلوم، وقد تم الاعتداء عليه، حقيقة، ظلما) وقسم الرسول “بالله” بأن الحجر قد خرج من هذه العلقة بعاهة مستديمة يعطي “جوًا” بأنه قد حضر الموضوع من أوله وشاهد ما حصل. هذه واحدة. الثانية، أن رسول الله لا يذكر ما إذا كان الحجر المسكين قد خرج من العلقة بثلاث ندب، أو أربع، أو خمس. حقيقة الأمر، القصة هنا واضحة تماما في أنه صلى الله عليه وسلم لا يتذكر بالضبط عدد العاهات التي أصيب بها الحجر. وفي هذا مشكلة كبرى، إذ نحن الآن أمام معضلة لا حل لها عندنا.

أليست هذه الرواية الأعجوبة عَصِيّة علي التصديق، ناهيك عن القبول ؟
إلا بشكل واحد فقط !
أن تندرج تحت مفهوم (أساطير الأوّلين) !

عبارة (أساطير الأوَّلين) التقطها ذهني و استمر يردِّدها طوال قراءتي لرواية وقد وردت في الآيات : (الأنعام 25 و الأنفال 31 و النحل 24 والمؤمنون 83 والفرقان 5 و النمل 68 والأحقاف 17 والقلم 15 و المطففين 13) ولولا تساؤل د. كمال عما عنيتُه بالضبط بالعبارة، لما كنتُ نقّبت في مكتبتي عن كتابَيْن، بذل صاحباهما جهداً مشكوراً في تقديم (الأسطورة) تعريفها و تأثيرها في تاريخ الحضارة الإنسانية بعامة من قبل نزول الأديان السماوية، علي ما في هذا من استفزاز لأصحابنا المتسلِّفين، الذين لا بد وأنهم علموا بعد طول مناقشات و سجالات فكرية إلكترونية أننا قوم نؤمن بالمقولة الرائعة (أن الحكمة ضالّة المؤمن، أنَّي وجدها، فهو أحقّ بل أَوْلي الناس بها)؛
وأن كل البشر يؤخَذ منهم ويُرَدّ، وأن الحضارات الإنسانية هي في حقيقتها نتاج تراكم معرفي للبشر في كافة أرجاء المعمورة؛ ونحن هنا ـ كما أتصوّرـ لا نؤمن بالتابوهات التي لا ينبغي المساس بها ! ٠٠٠
كان لا بد من هذا التقديم قبل ذكر الأسماء الصادمة ـ في المجتمع العربي ضحل الثقافة ـ لصاحبَيّ الكتابين اللذين استعنتُ بهما لتعريف الأسطورة، ودورها في الدين، فالكتابين هما :٠
مغامرة العقل الأولي (دراسة في الإسطورة،سوريا، أرض الرافدين) للكاتب السوري فراس السوّاح، و
الأسطورة والتراث للكاتب المصري سيِّد القمني

أما الكتاب الأول، فقد أثار جدلاً كبيراً، نزلت طبعته الأولي عام 1976 ، ولديّ طبعته الثالثة عشرة 2002
يقول فراس في مقدمة كتابه :{ أؤمن بأن الكتابة لا لزوم لها إن لم تنطلق من النقد المستمر لما نعرفه و نركن إليه، ومن
المفارقة الدائمة للمألوف في مغامرة غير هيّابة نحو المجهول، تدجّن فينا الخوف من غير المألوف؛ لقد كان همّي دوماً البحث عن وحدة التجربة الروحية للإنسان عبر التاريخ؛ وكنتُ أتساءل هل خبرة الإنسان الدينية هي حصيلة لإفصاح القدرة الإلهية عن مقاصدها ؟ أم هي كدح من الإنسان لتلمّس مقاصد القدرة الإلهية ؟ إن الديانات السماوية هي نتاج لإبانة القدرة الإلهية عن مقاصدها، ولكن هل نَسِم بالزيف كل تجربة دينية لثقافة كدحت في التعرف علي تلك المقاصد دون عون من وحي ؟
إن كل عصر و كل شعب يمنحه الله قناعه الخاص به، ولكن وراء الأقنعة كلها يبقي الله هو ذاته، الله الدائم الذي لا يتغير ولا يتحوّل .. }٠٠٠٠٠ انتهي

يعرِّف السوَّاح الأسطورة تعريفاً أولياً علي أنها محاولة من العقل للتصدّي للأسئلة الكبيرة المطروحة عليه؛ هي التفكير في القوي البدئية الفاعلة، الغائبة وراء هذا المظهر المتبَدّي للعالم و كيفية عملها و تأثيرها، وترابطها مع عالمنا و حياتنا، إذن الأسطورة هي أسلوب في المعرفة و الكشف و التوصّل للحقائق؛ إنها الإطار الأسبق و الأداة الأقدم للتفكير الإنساني المبدع الخلاّق الذي قادنا علي طول الجادة الشاقة التي تمتد عبر الحضارات الإنسانية المختلفة.وقد تهاوت الأسطورة تحت مطارق الفلسفة، وتجرّع سقراط السم جزاء اجترائه علي آلهة اليونان، ومن بعده تابع أفلاطون وأرسطو المهمة .. وتعاونت مع الفلسفة الديانتان المسيحيةو الإسلامية؛ فتبنّت المسيحية بضع أساطير أساسية كوّنت منها هيكلها، كأسطورة هبوط الإله من السماء و موته وبعثه ثم صعوده إلي السماء؛ وهدمت ما تبقي من صرح الأساطير القديمة ٠٠
أما الإسلام فقد أثبت بعض ما أوردته الأساطير، وقدّمه في صيغة مختلفة تماماً، مرجعاً إياه إلي أصله السماوي القديم، قبل تحريف الكلام عن مواضعه بسبب التقادم أو سوء الطّويّة ٠٠
ثم أدّي تبلور المناهج العلمية مع مطلع العصور الحديثة إلي الازدراء الكامل للأسطورة و إنزالها إلي مرتبة الحكاية المسلية، لما تحتويه من عناصر غيبية تتنافي و التفكير العلمي السليم، كما ادّعي العلم في بعض مراحله، القضاء علي الفلسفة و الدين معاً ٠٠
إلا أن القرن التاسع عشر في أوروبا قد جلب معه ثورة فنية و جمالية، أعادت للأسطورة رونقها و بهاءها كشكل فني تعبيري من أشكال الفولكلور و الأدب الشعبي، ثم اتجهت إليها العلوم الإنسانية تبحث خلف الشكل الظاهر عن رموز كامنة و معان عميقة تعين علي فهم الإنسان وسلوكه و حياته الروحية وآليات تفكيره وعواطفه ودوافعه، في شكل MYTHOLOGY ٠٠ معرفي يسمي
يري فراس أن الأسطورة هي مغامرة العقل الأولي، هي قفزة أولي نحو المعرفة ٠٠

وعن الفرق بين الأسطورة والخرافة يقول :٠
يمتزج تعبير الأسطورة في أذهان الكثيرين بتعبير الخرافة و الحكاية الشعبية رغم البعد الشاسع بين هذه النتاجات الفكرية الثلاثة؛ فالخرافة حكاية بطولية ملأي بالمبالغات والخوارق، إلا أن أبطالها الرئيسيين من البشر أو الجن؛ ففي حديث نبوي للسيدة عائشة قالت : حدّث رسول الله نساءه ذات ليلة حديثاً، فقالت إحداهن : يا رسول الله كأن الحديث حديث خرافة، فقال : أتدرون ما خرافة ؟ إن خرافة كان رجلاً من عذرة أسرته الجن في الجاهلية فمكث فيهم دهراً طويلاً ثم ردّوه إلي الإنس، فكان يحدّث الناس بما رأي من الأعاجيب، فقال الناس : هذا حديث خرافة ٠٠
وبصرف النظر عن صحة الحديث المنسوب لرسول الله في مسند ابن حنبل، فإن الحديث يظهر لنا معني الخرافة عند العرب، بينما يثبت لنا القرءان الكريم علاقة كلمة الأسطورة في اللغة العربية بالتصورات الدينية والاعتقادية :٠

وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا” الفرقان 5″
وفي هذه الآية إشارة إلي قول أعداء النبي أن ما يأتي به محمد في القرءان هو أساطير الأقوام السابقة تملي عليه وهو بدوره يستكتبه؛ وقد حاولت في الكتاب إظهار مدي اعتماد الثقافة اليهودية علي الثقافة السورية والبابلية في صياغة أهم مرجع (ديني) وثقافي لدي الشعب اليهودي، كما أظهرنا علاقة الأساطير السورية والبابلية بأساطير الشعوب المجاورة كالمصريين و الإغريق ٠
محتويات الكتاب :٠
ـ سِفْر البداية : “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ”٠
(في البدء خلق الله السماوات و الأرض وكانت الأرض خربة و خالية، وروح الله يرفّ علي وجه المياه)
التوراة ـ تكوين ١
( وفي تلك الأزمان الأولي . لم يكن سوي المياه)
أسطورة بابلية
ـ سِفْر الطوفان : “حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ”٠٠هود 40
( وقال الرب لنوح ادخل السفينة أنت وجميع أهلك فإني إياك رأيت باراً أمامي في هذا الجيل)
العهد القديم : سفر التكوين، الإصحاح السابع ١
( قوّض بيتك وابنِ سفينة، اهجر ممتلكاتك، وانجُ بنفسك اترك متاعك وانقذ حياتك . واحمل فيها بذرة كل ذي حياة)
أسطورة بابلية
ـ سِفْر التنين
ـ سِفْر الفردوس المفقود : “وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ” البقرة 35
( وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها وأوصي الرب الإله آدم قائلاً : من شجر الجنة تأكل أكلاً وأما شجرة معرفة الخير و الشر فلا تأكل منها ) ٠
العهد القديم ـ سفر التكوين، 15:17
ـ سِفْر قابيل وهابيل : “وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ” المائدة 27
( فنظر الرب هابيل و تقْدمته، وإلي قايين و تَقْدمته لم ينظر)
العهد القديم ـ سفر التكوين 4-5
ـ سفر العالم الأسفل :”حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ”
الزمر 71
ـ سِفْر الإله الميت :٠
( لأنه هكذا أحبّ الله العالم حتي بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية، لأنه لم يرسل الله ابنه إلي العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم )٠٠
انجيل يوحنا : 3:6 – 17

فراس السوّاح ٠٠٠٠٠٠

ألا يُعَدّ هذا بياناً علي أن ما يفور به تنور الفكر السني القديم هو عين الإسرائيليات التي هي عين أساطير الأولين التي أنزل الله كتابه المبين من أجل مساعدتنا على التخلص منها. المذهل في الأمر, هو أن هذه الأساطير, التي أنزل الله كتابه المبين من أجل مساعدتنا على التخلص منها, ارتدّت إلينا لنرى القرآن من خلالها. نحن نرى القرآن من خلال نفس الأساطير التي جاء القرآن لمساعدتنا على التخلص منها.

 
Leave a comment

Posted by on December 6, 2012 in About Islam, Sunni-jurisprudence

 

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: