RSS

” إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا”

12 Dec

إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ

حدّد الله الخطاب هنا للإنسان الفرد تأكيداً وإقراراً بما قاله في نفس السياق :٠

وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا

إذن فالخطاب فردي، والحساب فردي كذلك؛ والكَدْح فردي؛ ولكن رب العالمين لم ولن يتركك وحدك؛ بل سيزوِّدك بكل ما تحتاج إليه في كدحك هذا؛ رُسُلاً مُصطفين أخيار، وكتباً تنير الطريق، وعقلاً تميِّز به، وإرادة حرة تختار؛ ورغم كل ذلك فقد أطلق رب العالمين علي رحلة حياتك الدنيا هذا اللفظ الشديد الإيحاء، وهو الكَدْح وهو نفس معني المجاهدة ، تلك الرحلة التي تستغرق الحياة بطولها، فالمسألة ليست سهلة والاختيارات كثيراً ما يشوبها الحيرة والارتباك وعدم الوضوح؛ وفي تقديري أن هذا هدف في حد ذاته، بمثابة الابتلاءات التي تمحِّص ثبات العبد وقوة إيمانه؛ في تصوّري أن مكابدة الجهد في الوصول لفهم مختلف قضايا الدين والدنيا هو مراد الله، فرب العالمين لا يستنسخ عباداً يُمْلي عليهم إملاءات واضحة، تُنَفَّذ بغير فهم أو كامل وعي، قاصداً الطاعة العمياء – حاشاه – بل عباداً يسعون في الأرض اكتشافاً، وللمنهج فهماً، ولأنفسهم تطهيراً وإصلاحاً؛ يمايز بينهم :٠

– حرية الاختيار ونوعيته (فجوراً أو تقوي) ٠٠-
– حرية التوجُّه لله (عبادةً واستعانة وطاعة) ٠٠-
وعلي ذلك فلا معني لجَبْر أو فرض أو حتي تَبَعية؛ فكل هذا من شأنه أن يفسد ليس فقط الاختيار،بل التوجّه أيضاً بما يهدِّد الجزاء في الحياة الآخرة٠٠
الإنسان حرّ حرية مطلقة في اختيار الغاية والوسيلة والمنهج، فإذا ما أسبغ الله عليه الهداية واستجاب لنداء الفطرة المرتكزة في جبلَّته الإنسانية؛ واطمأنَّت نفسه للغاية من خلقه ووجوده، وبقدر إخلاصه وتسليمه لله عبوديةً و طاعة، بقدر
ما يلهمه ربه الصواب في الوسائل الموصِّلة لتحقيق تلك الغاية علي الوجه الذي يري العبد أن فيه رضي الله

وعليه فهل يستقيم أن يقبل أحد المؤمنين الموحِّدين بالله أن يضع له (غيره من عباد الله) معالم للطريق إلي الله و (يلزمه) باتِّباعها ؟ إذا اتفقنا أننا كلنا (نكدح) و (نجاهد) في سبيل إرضاء الله والسعي لطاعته؛ فكيف نقبل علي أنفسنا أن يعيِّن بعضنا من أنفسهم (مرشدين) يدَّعون الوكالة عن الله في أرضه؛ ويحتكرون الفهم عنه، ويفرضون علينا تلك الوكالة وهذا الفهم ؟
سواءاً كانوا من الأقدمين -باستثناء رسل الله- أو من المحدثين المعاصرين ؟
و إذا كان منّا من يقبل ذلك :٠
– إما لعجزه عن الاعتماد علي نفسه في تحديد طريقه، واختياره بين البدائل
– أو لتفضيله جانب الأمان الذي يحقِّقه له الانقياد والتَّبعية
فكيف يكون حالك لدي رب العزة والجلال الذي يعلم سرّك وعلانيتك، ويكافئك بقدر إقبالك الحرّ الواعي المتفرِّد ؟
هذه التوليفة من العجز والتَّبعية لم تُولَد من فراغ؛ ولكنها تراكمات عوامل متعدِّدة، علي مدي فترات زمنية طويلة؛
إذا سلَّمنا بذلك، وَجَب علينا التماس العذر لهؤلاء العاجزين التابعين المخدوعين، والشفقة عليهم، واتِّخاذ كافة المتاح من السّبل في سبيل توعيتهم و تحذيرهم، و ليس إدانتهم أو السخرية منهم أو سبّهم ٠٠
أقول ذلك رغم عدم مقدرتي عليه، ولكن هذا هو الصواب، لو بادلناهم عنفاً بعنف، وغلاً بغلّ، وسبَّاً بسبّ، فالكل خاسر؛وهذا ما نعيشه الآن؛ وهذا هو أقرب تفسير لاتّهامهم المتكرّر ب(فساد النّخب) فقد شعروا بالاستعلاء الطَّبقي الثقافي، فلم يجدوا أمامهم إلا الاستعلاء الديني العقائدي؛ ومن المنطقي أن تقع المسئولية الأكبر في محاولة التفاهم والتعايش علي الأكثر تعقُّلاً والأوسع علماً والأعلي ثقافةً؛ مع ما في ذلك من صبر ومصابرة، وجهد ومجاهدة؛ ألم يأمرنا رب العالمين أن :٠

ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ * النحل 124
ومع مقصود عموم الآية، كان الحديث في الآية قبلها عن أهل الكتاب من اليهود
إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * النحل 123

فهل يُعْقَل أن نؤمَر بمجادلة أهل الكتاب علي هذا النحو الكريم؛ فإذا بنا نجادل أهل كتابنا بالتي هي أسوأ وأبشع وأضلّ سبيلاً، فنُفَاجَأ بمن نصَّبوا أنفسهم (دعاة) و(شيوخا) وقد انهالوا علي الناس جميعاً؛ إخوانهم في الدين ومخالفيهم في العقيدة، بالعنف الفكري واللفظي وكافة أشكال التحريض علي الاعتداء والإرهاب؛ وإذا بالأمر يتحوّل إلي منافسة ومباراة، يصوّرون للناس أن ال(فائز) فيها هو ال(أسوأ) خُلُقاً، والأقوي (بنيةً) والأكثر (تسليحاً) والأقذع (لفظاً) و(الأحطّ) أسلوباً !!!

ولا حول ولا قوة إلا بالله

كانت هذه الرسالة – قبل الشروع في كتابتها – محاولة للردّ علي تساؤلات عديدة حول ما إذا كان (مجرد) الإيمان بوجود الله ووحدانيته ورسله والتسليم برسوله الخاتم وبما أُنْزِل عليه من وحي؛ يجْزِئه ويكفيه لدي رب العالمين؛
أم لا بد من الانصياع والخضوع والتسليم (المطلق) ب(كل) ما انتقل إلينا شفاهةً أو كتابةً أو تواتراً أو عنعنةً عن أهالينا وأجدادنا الأقدمين من سلسال السلاسل الذهبية الخالدة عبر القرون، من بعد وفاة نبيّنا عليه وعلي رسل الله أفضل الصلاة وأزكي السلام، من تراث الأجلاّء صحابته وتابعيهم، وتابعي تابعيهم، وحافظيهم ومحبّيهم والناقلين عنهم والمستهدين بهديهم، بإحسان أو بإساءة إلي يوم الدين ؟؟؟

فهل سيجد فيها السّائل الكريم إجابةً علي سؤاله ! أم سنظل نكدح معاً في سبيل الحصول علي إجابة شافية وافية ! أم أن مجرد القدرة علي التساؤل وطرح القضايا للمناقشة بحبّ و ودّ واحترام، ثم الاجتهاد وعرض الآراء بتجاوب وتواضع ورغبة حقيقية في المعرفة والفهم، هو عين ال(كَدْح) المطلوب !!!٠٠٠

بشَّرنا رب العالمين، فقال

وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ * العنكبوت 69

ندعو الله الأكرم والأرحم، إن لم نكن من المحسنين؛ أن يبصِّرنا بطريق الإحسان، وألاّ يحشرنا إليه إلاّ ونحن منهم؛
إنه وليّ ذلك والقادر عليه ٠٠٠

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

12/12/2012

 
Leave a comment

Posted by on December 12, 2012 in About Islam, Current Events

 

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: