RSS

نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ

31 May

يقول الله تعالي في سورة النساء :

“نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ” * 223

في معرض النهي عن الاقتران بالمشرك أو المشركة في علاقة زواج (ولا غيره) يؤكد رب العالمين علي النهي كذلك عن إتمام العلاقة الزوجية وقت المحيض لما ذكره من (الأذي) المعروف والمفهوم ..
وأستطيع أن أفهم ذلك في إطار حرص المولي جلّ شأنه
أولاً : علي الحالة الصحية لكل من الرجل والمرأة باعتبارهما من (نفس واحدة)
وثانياً : علي الحالة النفسية المتقلّبة التي تعتري المرأة خلال فترات حيضها،وأهمية تفهّم الرجل لها

و تبدأ الآية الكريمة : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ

يعقّب رب العزة بتلك الآية التي تعتبر نموذجاً مثالياً لرحابة المعني ورمزيته في آنٍ؛ حين يشبّه العلاقة بالشكل الذي يرتضيه ويشير إليه ويحثّ عليه، بالعلاقة ما بين الزّارع وأرضه؛ ولن نكرّر هنا ما فهمه قدامي المفسرين ومعاصريهم وجميع من حصروا المعني بالعلاقة الزوجية بما تشتمل عليه من تفاصيل تعمّدوا الخوض فيها واختلاق الروايات والأحاديث والحكايات التي تثبت وتقرر صواب ما ذهبوا إليه، ولم يستطيعوا أن يفهموا غيره !
فالمسألة تدور في زعمهم عن إطلاق حرية الرجل في الممارسة بشكل أو بآخر ! فنحن ندور في فلك أدقّ تفاصيل العلاقة التي تمثّل بالنسبة للذكوريين منهم جُلّ ما يبغونه من المرأة؛ فبحسب فقهنا السنّي، التلذّذ هو الغرض والإيجار أو التمليك هي صفة العقد !
إذن فلينحصر الأمر كله في ذلك المجال الضيّق وهو كيفية الاستغلال الأمثل لتلك العلاقة بحيث تحقق الهدف منها علي النحو الذي يراه الذكوريون من الفقهاء؛ فليجتمعوا وليتدارسوا وليفهموا ما شاءوا كيف شاءوا وأَنّي شاءوا ثم ليخرجوا علينا بالشرع ‘الحنيف’ حسب إجماع علماء الأمة !
ولتذهب المرأة وفكرها و رأيها و ميولها و رغباتها واستعداداتها وطاقاتها وظروفها إلي الجحيم !
فإذا ما تمنّعت أو أبدت شيء من الامتعاض وعدم الترحيب، فالروايات مجمعة وحاضرة وجاهزة لإلقائها مضغة في أفواه ملائكة الرحمن التي لم يقل عنهم القرآن سوي أنهم يعبدون ويسجدون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؛ فإذا بهم يتفرّغون للّعن طوال الليل وحتي الصباح !
لا مفرّ إذن .. لا مفرّ .. الزوج أمامكن واللّعن خلفكن .. والخيار بأيديكن !
الاستسلام التام أو النكد الزّؤام !
الرضوخ وعدم الصياح أو اللّعن حتي الصباح !
أما ما قيل في تفسير الآية التي بين أيدينا، فتمنعنا أسباب كثيرة من الخوض فيه؛ ويمكن لمن أراد منكم أن يرجع إلي مختلف التفاسير ليقرأ ما يندي له الجبين !

الله الرحيم الحكيم الذي خلق الإنسان بشقّيه من نفس واحدة (هي الأول .. هو الأول .. ليست هذه هي القصة) يوصي الرجل علي امرأته، فيشبّه المرأة بالأرض .. ذلك الكوكب الذي يتحمل الإنسان بتجاوزاته طوال فترات حياته، ثم يستره و يحتضنه بعد مماته؛ تلك الأرض الرّؤوم الحنون التي نعلم جميعاً أنها قد سُخِّرت لبني البشر؛ وكما تعطيها تأخذ منها؛ فإذا اهتممت بها وأعطيتها الأولوية وتعهّدتها بالرعاية والمتابعة، في كل مراحل احتياجها لذلك من
(بذر وحرث وريّ ومتابعة) فثِقْ وتأكد أن النتائج ستكون مُبْهِرة ..

فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ

والتشبيه هنا لا يلقي فقط ظلالاً (حسيّة مادية) علي علاقة الرجل بامرأته، بل أن أعظم ما تنتظره وتتوقّعه المرأة هو تلك الكلمة السحرية الرائعة التي تُحييها وتأسرها وهي : الاهتمام ..
والاهتمام هو أول ما تعنيه عبارة (حسن العِشْرة) وكلنا يعلم مظاهره والتصرفات الدّالّة عليه؛
ألا يمكن أن ننسي أو نتناسي معاً ما حُشِر حشراً في ذاكرتنا عن فعل (الإتيان) ونذهب به إلي معانٍ أكثر شمولية ورقياً مثل التفقّد والتعهّد الدائم المستمر بالرعاية و الاجتهاد الذي يقوم به الزّارع الخبير المتمرّس، الحريص علي منح أرضه الفرصة الكاملة للإنبات والإثمار؛ ولا يعنيني ما لا يفهمه البعض من مفهوم الإنبات إلا الأطفال؛ فقد أوجد لنا بيوتاً وعلاقات قائمة فقط من أجل الأولاد؛ أنا أفهمهما وأقصد بهما نجاح علاقة الزوجية والصعود بها إلي آفاق إرادة السماء من تحقيق السعادة والراحة والرضي، بحيث يكون كل منهما -قدر طاقته- قيمة مضافة في حياة الآخر ليس من السهل الاستغناء عنها؛ فهذا مفومي لألفاظ قرآنية مثل : السّكن والمودة والرحمة…
أري أنها توافرت بالمعني العميق في بيوتات أجدادنا وجدّاتنا ثم ظلت تتقلّص حتي أضحت مجرد كلمات في آيات يردّدها المأذون أثناء كتابة عقود الزواج دون أن يفهم أو يعرف أحد عنها شيئاً !
وكأنها -اي ألفاظ الآيات- هدايا أو منحاً سيُفاجَأ العروسان أنها سبقتهما للعشّ الصغير دون بذل أيّ مجهود من أيّ منهما علي الإطلاق !!!
وأعلم ما خاض فيه فقهاء المفسّرين بشأن حرفية أو ظرفية (أنّي) التي ذهبوا بها إلي تفاصيل تعلمونها ! ولكن ما علينا لو فهمنا أنها تعني هنا (الاستمرارية والدوام) زيادة عما فسّره عمنا سيبويه ب (كيف ومن أين) مجتمعين …
وبإيجاز شديد -أرجو أن يكون غير مُخِلّ- أقول :
إذا لم تستطع أن تسعدها وتدخل البهجة إلي نفسها، فاهتم واحرص علي ألاّ تضايقها أو تضجرها ولا تتعمّد إغضابها؛ وفي هذا السياق نفهم :

وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ

تطمئن الآية أولي الألباب من الرجال أن ما تعبت من أجله وهو حسن العشرة وما يتطلّبه من رجولة ومجاهدة وصبر وتحمّل سينعكس عليك بالضرورة، فتتحوّل من معك إلي امرأة راضية، مرضية، ممتنّة، أشد حرصاً علي إسعادك ومنحك بالمقابل ما تستحقه من اهتمام؛ لأن المرأة المؤمنة الذكية تستوعب آية سورة الرحمن : “هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ” * 60
وهكذا نفهم آية سورة الروم التي تتحدث عن (السَّكن والمودة والرحمة)
وهكذا نفهم آية سورة النساء التي تتحدث عن القوامة؛ فهي قوامة مسئولية واهتمام وحسن رعاية؛ ولا يمكن أن ‘يقدّم’ رجل هذا كله فيجد صدّاً أو جحوداً من امرأته إلاّ إذا كانت ذات فطرة فاسدة أو نوايا سيئة أو تربية لا يُرْتَجي معها صلاح !

وَاتَّقُوا اللَّه

ولأن القوامة من أخصّ مستلزمات الرجولة، كذلك التقديم؛ عليه أن يحسن تقديم نفسه وقلبه ووقته إلي من أحبها واختارها وارتضي أن تشاركه حياته ويقوم بينهما (ميثاق غليظ) سيسألهما الله عنه يوم الدين، لذلك كله كان الأمر بالتقوي وتعني دوام مراقبة الله التي تجلب حسن المعاملة مع الخلق عموماً ومع أقرب الخلق لبعضهما البعض بشكل خاص ..

وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ

ثم التذكير بالعاقبة والمرجع والمآل، فالحساب والجزاء علي طريقة القرآن في خلق الدوافع السلوكية وراء الأعمال؛ وهي عبارة شديدة القوة والإيحاء في معرض التوجيه لحسن العلاقة؛ فالتوصية للإثنين معاً باستحضار (لقاء الله) فكيف بالله يحب كل منكما أن يكون اللقاء ؟

وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

ثم البشارة للمؤمنين به، المتقين له الذين أحسنوا إلي شقائقهم بتقديم المحبة و حسن العشرة والرعاية، فكان جزاؤهم في الدنيا السّكن والمودة والرحمة في الدنيا والآخرة ..

هذا ليس سوي رأي ‘مختلف’ يَبْعُد بنا عن الانحسار في دائرة الحسّ المادي الأرضي المغلق؛ وهذا هو الأجدر بنا بدلاً من الانسياق للأبد وراء أصحاب التفسير المخزي للآية الكريمة التي تتحدث عن (شُغُل) أهل الجنان !!!
لسنا أنبياء ولا يُوحَي إلينا؛ بل أناسٌ نحاول أن نفهم كما حاول السّابقون الغير معصومون؛ نحن علي الأقل لم ولا ولن ندّعي في يومٍ أن ما نقوله هو بالضبط ………………(مراد الله)

 
Leave a comment

Posted by on May 31, 2013 in About Islam, tafseer

 

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: