RSS

التأثير العقيم للفقه السُنِّي القديم .. (تجربة شخصية)

05 Jul

في الفقه السني القديم : تجربة شخصية

أعلم تمام العلم أننا ننادي هنا بالبعد عن الشخصنة, والأشخاص, والتوحُّد أو الاختلاف فقط حول الأفكار؛ إلا في حالة واحدة أتصور أن لها علاقة مباشرة بما سأحاول بيانه في هذه الرسالة. أحيانًا ما تكون الشخصنة هي السبيل الوحيد للتعميم. وأعني بذلك تصوري – الذي لا أعلم مدي صوابه – أن ما تعرَّضتُ إليه، تعرضت إليه الكثيرات من بنات جيلي – جيل الطبقة المتوسطة لمصر الستينيات – اللاتي تعرضن إلى تغيير ضخم في مفاهيم تلك الطبقة دينيًا واجتماعيًا خلال ما يقرب من خمسة عقود متعاقبة. الباعث علي حديثي, إذن, عن بعض تفاصيل حياتي الشخصية – التي لا تهم أحدًا سواي – ليس سوى ما حاولت إيجازه والإشارة إليه في العنوان.

أثناء المرحلة الجامعية, وبالتحديد في أواخر السنة الأولى في أوائل الثمانينيات، تصادف أنني شاهدت حادثا نجم عنه وفاة المصابة في نفس المشهد. لم أكن أعرف المتوفاة ولم تكن لي صلة بها. أعقب الحادث إحساس طاغٍ بالرغبة في عمل طاعة فورية تشعرني بالاستعداد للموت الذي عشته وعايشته. طاعة تمنحني بعض الاطمئنان لاستعدادي للوقوف أمام الله للحساب إذا ما زارني ملك الموت كما حدث أمامي. فكان أن ارتديت ما يعرف بـ”الحجاب” في وقت لم تكن توجد فيه طالبة محجبة واحدة في كامل الكلية سوى فتاة واحدة فقط في قسم اللغة العربية. بدأت كذلك في حضور العديد من “الدروس الدينية” التي انبرت لعقدها بعض النساء في منازلهن أحيانًا وفي مختلف مساجد مصر الجديدة أحيانًا أخرى فيما اصطلح على تسميته وقتها باسم “الصحوة الدينية”.

كنا نتبع منهج التلقّي, فلم يسأل أحد منا عن مؤهّلات الشيخة أو الحاجة التي تلقي الدرس, ولا عن مستواها التعليمي أو الثقافي, أو حتي “مصادرها”. فقط كنا نستمع وتتحول المناقشة في نهاية الدرس إلي تعبير عن الشكر والاستحسان, ووعود بـ”الالتزام” بما قيل والتغيّر للأفضل الذي أوصت به الحاجة. كان موضوع “الحجاب” يشغل الحيز الأكبر في الاهتمام: فرضيته, وأدلتها, وحرمة تركه, وشروطه, ومواصفاته, ومكروهاته, إلى آخر ما هنالك من تفاصيل.

كانت المصادر وقتها – كما عرفت مع الوقت – أمهات كتب المكتبة الإسلامية القديمة مثل تفاسير ابن كثير, والقرطبي, والطّبري, والجزائري, والصابوني, وفقه السنة لسيد سابق, وإحياء علوم الدين للغزالي, ورياض الصالحين, والسيرة النبوية لابن هشام, والمباركفوري, ومحمد الغزالي, والبوطي, وزاد المعاد لابن القيم, وغيرها مما حرصت علي اقتنائه للاطّلاع عليه بنفسي، ولأنها “مصادر” الثقافة الدينية كما ينبغي أن تكون.

حدث أثناء ذلك أن عرضت عليّ منحة تفوق في آخر السنة الثالثة تتيح لي فرصة السفر إلي ألمانيا لقضاء شهور كفرصة لإجادة اللغة إلا أني رفضت المنحة. حدث هذا بعد فتوي تحريم من الحاجة استنادًا إلى روايات تحرِّم سفر المسلمة مسيرة يوم وليلة – أو ليلتين, أو ثلاث – دون محرم. لم يكن أحد من عائلتي وقتها, للأسف, جاهزًا للسفر معي. صدم رفضي للمنحة الأستاذ الرائع رئيس القسم الذي أكنّ له منتهي التقدير والاحترام وأعلم أنني لن أقابل مثله في حياتي؛ فقد كان دائرة معارف متنقّلة ذا قدرة مذهلة علي توصيل المعلومة وكاريزما آسرة رغم أنه لم يتكرَّم عليّ بكلمة تقدير واحدة إلا بعد التخرُّج.

تقدّمت في السنة الثالثة ـ بما أنني لم أسافر- لدراسة دورات مكثَّفة للإرشاد السياحي بالألمانية وأنهيتها بإجادة أدهشت الأستاذ الألماني المشرف على هذه الدورات, والذي شدَّد على ضرورة عملي في هذا المجال لإجادتي التحدث شفويًا باللغة الألمانية في وقت كان معنا في الدفعة الكثيرين من ريف مصر ومحافظاتها ممن يصعب عليهم إجادة التحدث بها على الرغم من تفوقهم العجيب في الكتابة التحريرية وكل ما يتعلق بالحفظ. وكما يقول الدكتور كمال حين يصف الثقافات البدائية، أقول في التعليم المصري: “المسألة حفظ .”

طبعًا رفضت العمل كمرشدة سياحية كونه لا يتناسب وثقافتي الدينية في ذلك الوقت – ثقافة التحريم. كيف, بالله, يمكنني أن أخرج مع أفواج سياحية “مختلطة” أخالط الرجال, وأشرح لهم, وأتحدث إليهم, وأتعرّض لما لا يحمد عقباه. أضف إلى ذلك أن هناك احتمال – مهما كان بعيدا – أن يضطرني عملي للسهر خارج المنزل وهو ما لا يتفق مع القاعدة الفقهية بحرمة الاختلاط بل وتحريم عمل المرأة وخروجها أصلاً .

أثناء ذلك كنت قد “اعتزلت” صديقاتي “الغير ملتزمات” و”تجنّبت” صديقاتي “المسيحيات”, وأولئك كثيرات وتلكم كثيرات. قمت أيضًا بفرز الأهل والجيران وتصنيفهم بحسب درجة التزامهم أو والتزامهن. كانت تلك هي اللفظة المستخدمة, الدّارجة, الرّائجة, وقتها. أثَّر ذلك علي علاقاتي بالناس بشكل لم أدرك حجمه ولا عبثيّته وقتها.

تمت خطبتي علي إثر انتشار مسألة رفضي لبعثة التفوق بين أوساط نساء “الدروس” فصادفت القصة أسماع حماتي – رحمها الله – التي كانت تبحث عن فتاة “ملتزمة” لابنها الأصغر؛ فسارعت لطلبي من أهلي وقابلتُ حماتي فأحببتها منذ أن وقعت عليها عيناي فبادرت بالموافقة؛ ولأن الزواج سنة الله في كونه – والزواج المبكّر سنة رسولية – وأيضًا لكوني شديدة التعلّق بأهلي ورغبتي في إسعادهم بأحفاد – أولاد وبنات.
وشاء الله تعالي أن يُنعِم عليّ جزاء صفاء وسلامة نيّتي رجلاً كريماً بمعني الكلمة .. والحمد لله

تقدّمت أثناء خطبتي لنيل ديبلومة في الترجمة الفورية لمدة عامين في كليتنا, واجتزت جميع امتحانات القبول بتفوق والحمد لله. أذكر في امتحان الشفوي الفرحة الغامرة التي بدت في عيني رئيس القسم الذي صرَّح لي للمرة الأولي من أربع سنوات أنني المرشّحة الأولي لتلك الدراسة التي تتطلّب مهارة في إجادة اللغة نطقًا, وتحدّثاً, وسماعًا, أكثر منها قراءةً وكتابة .

في هذه الأثناء كنت قد تزوجت وحملت في أول أبنائي وأوصى الطبيب بالراحة التامة وعدم الحركة وذلك نتيجة حملي الغير مستقر مما اضطرني إلي الاعتذار عن الديبلومة بعد التحضير, واستلام جدول المحاضرات, وشراء الكتب. كانت الترجمة هي المادة التي كنت – ومازلت – أحبها, وأستمتع بها, وأحلم بالتخصّص فيها. لم ينجح أحد ممن تقدموا للامتحان المؤهّل سواي وطالب من أسوان . تنازلت عن الدراسة.

كان الحمل والإنجاب واجبًا شرعيًا قبل كونه حلمًا يسعد أبي وأمي. فهو – حسب المزاج الديني السّائد وقتها – وظيفة المرأة. المرأة في الفقه السني القديم, في نهاية الأمر, ليست أكثر من “وعاء إنجابي” يتم “اقتناؤها” أساسًا للمتعة, والاستمتاع, والتمتع, وأيضًا للإنجاب.

لم أيأس, وتقدمت لدراسة الماچستير بعد ولادتي التي أعقبها بأيام وفاة ابني. حضرت الدراسة لمدة شهر واحد قبل أن يتكرّر حملي في كبري بناتي لتتكرّر معاناتي بشكل مختلف ويقف الحمل حجر عثرة في استكمال مسيرتي الدراسية التي كانت تحتاج لعزيمة أقوى, وأفق أوسع, وإدراك أفضل لأهمية ذلك لي على وجه الخصوص, فالتميّز في هبات الله وعطاياه سمة من سمات هذه الحياة. لكننا لا نتعلم بسهولة ونضجنا له ثمن.

سأكتفي الآن بهذا الجزء على أمل أن أكمل لاحقًا إن شاء الله. ودعوني أتساءل :

ما وجه التحريم في سفري بالطائرة ضمن زملائي وزميلاتي؟ ما وجه التحريم في عمل المرأة عمومًا في أي مجال كان؟ أين الحرمة في الاختلاط إذا كان بضوابط أخلاقية وفي أجواء متبادلة من الرقيّ والاحترام؟ لمَ نتعجّل في تزويج بناتنا، وبخاصة من لديها رغبة, وطموحات, وقدرات, وإمكانات الدراسة الأكاديمية العالية؟ هل الزواج هو الشكل الأوحد, والأمثل, والأفضل, لحياة الفتاة، ولا حياة لها بغيره؟ إلى متي سنظل نعطي لأنفسنا الحق في اقتحام حياة الآخرين (من أهل, إلى أقارب, إلى جيران, إلى أصحاب) بالمتابعة, والملاحقة, والنصيحة, وبإلحاح؟ أين تكمن الحرمة في أن يؤتي الله المرأة القدرة علي استكمال دراستها بدرجات أعلي من زوجها؟ ماذا يضيره في ذلك؟

أحمد الله علي أن وفَّقني لاستعادة علاقاتي بمعظم صديقاتي – والمسيحيات خصوصًا – بعد أن هداني الله للإسلام الحقيقي, والإيمان الحقيقي, والفهم السليم, الذي يقرّ, ويعترف, ويحترم, رسل الله جميعًا, وكتبه المقدسة جميعًا, ولا يتبجّح فينعت كتب الديانات الأخرى بالتحريف, وأصحابها بالكفر.

ختامًا, الحمد لله على ما أتانا وما لم يؤتنا. لن أستطيع تدارك ما فاتني. لن أستطيع الحصول على المنحة ولا الماجستير, وحتى لو حصلت عليهما فلن أستطيع العمل فيما أهواه. لن أعمل أبدًا كمرشدة سياحية. مضى الوقت. إلا أني أستطيع أن أربي بناتي وأولادي على الإسلام الحقيقي الذي هداني الله إليه. أستطيع أن أبعدهم عن كلام البشر وأقربهم من كلام الله. لن تدخل بناتي ولا أولادي أبدًا, بإذن الله, في سرداب عبادة عباد الله. لن يعبدوا أبدًا سوى الله, ولن يخضعوا أبدا إلا لله. والحمد لله الذي هداني إلى ما هداني إليه. الحمد لله على نعمة الإسلام. الحمد لله على ما أرسله إلينا. أرسل الله إلينا كتابًا لا نحتاج من بعده إلى كتاب غيره. أرسل الله إلينا كتابًا يضيء طريقنا في دنياه, وطريقنا إلى جنته. والحمد لله على نعمة الإسلام الحقيقي, والإيمان الحقيقي, والفهم الحقيقي لكتاب الله.

13 يونيو 2014

 
Leave a comment

Posted by on July 5, 2014 in Miscellaneous

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: