RSS

إرهاصات ثورة دينية وصاعقة لا ثواب علي نسُك

18 Mar





 

 

إرهاصات ثورة دينية وصاعقة لا ثواب علي نسُك

أرسلت إلينا سيادة الأستاذة هالة كمال, الرسالة التالية التي وضعت لها عنوانها بنفسها. والأستاذة هالة محقة في أننا أمام ثورة دينية تهدف إلى الرجوع إلى الحق والكف عن الافتراء على الله.  كيف لنا أن “نقبل” فكرة أن الله طلب ممن يؤمن بالله أن يقتل من لا يؤمن بالله ؟  وكيف لنا أن نقبل فكرة أن الله أباح لنا قتل تارك الصلاة ومن ثم أكله ؟  وكيف لنا أن نقبل فكرة أننا بمجرد دخول الجنة سوف نبدأ في عملية نكاح أبدي لا ينتهي أبدًا, أبدًا, أبدا ؟  وكيف لنا أن نقبل فكرة أن الله أباح لنا قتل خلق الله, وسبي نسائهم, واستعباد أطفالهم في سبيل نشر دين الله ؟  وكيف لنا أن نقبل فكرة أن الله قد طلب منا قتل اليهودي الذي يترك اليهودية ويدخل المسيحية, أو قتل المسيحي الذي يترك المسيحية ويدخل اليهودية ؟ وكيف لنا أن نقبل فكرة أن الله سوف يغسل ذنوب الواحد منا فيعود كما ولدته أمه إذ حج الواحد منا إلى بيت الله وامتنع عن ممارسة الجنس والفحش والفسوق لمدة ثلاثة أو أربعة أيام ؟    لا يهم أبدًا, حقيقة الأمر, لا يهم مطلقًا ما إذا كنت وحشًا في صورة إنسان أم ملاكًا في صورة إنسان لتتخلص من كل ذنوبك.  لا يهم كذلك ما إذا كنت قد أدركت خطأ أفعالك, وندمت على ما قمت به, وعقدت العزم على الابتعاد عنه.  كل هذا لا يهم.  المهم أن تحج إلى بيت الله وتمتنع عن ممارسة الجنس, والفحش, والفسوق, لمدة ثلاثة أو أربعة أيام وسوف تعود طاهرًا طهارة الثلج الأبيض إن شاء الله.  يمكنك, طبعًا, بعد هذه الثلاثة أو الأربعة أيام أن تعود إلى ما كنت فيه من إتجار بالمخدرات, وإجراء عمليات زراعة أعضاء, وإعطاء وأخذ رشاوى, والاستيلاء على أراضي الأوقاف, وبيع قضايا الناس.  كيف لنا أن نقبل فكرة أن الله “يغفر” كل ذنوب الواحد منا لمجرد أنه قام بالحج إلى بيت الله وامتنع عن الجنس, والفحش, والفسوق لمدة ثلاثة أو أربعة أيام؟   أين قال الله هذا الكلام ؟   

 

تبيّن الأستاذة هالة كمال كيف أهال الفقه السني القديم “الحسنات” على التنسك وأهمل العمل فأصبح الكلام بديلاً عن العمل.  وللحق, فالمسألة واضحة تمام الوضوح.  فالناس في بلادنا من أكثر الناس “كلامًا” وهم يذكرون الله ما بين الكلمة والكلمة إلا أن المسألة “كلام” و”لا عمل”.   ويبقى أن القول بأن الله يثيب على التنسك هو قول لا يختلف عن القول بأن الله طلب ممن يؤمن به قتل من لا يؤمن به, أو القول بأن الله أباح لنا قتل الأسرى, وسبي النساء, واستعباد الأطفال, أو قتل تارك الصلاة وأكله.   لم يطلب الله ممن آمن بالله أن يقتل من لا يؤمن بالله, ولم يبِح الله قتل الأسرى, ولا سبي النساء, ولا استعباد الأطفال, ولا قتل تارك الصلاة وأكله.  وكذلك لا يثيب الله على نسك.  هذا كلام لم يقله الله.  وكأن المسألة, بهذا الشكل, هي أنه تمامًا مثلما لم يطلب الله منا قتل من لا يؤمن به, فإنه لم يخبرنا بأنه يثيبنا على تنسكنا.  هذا كلام لم يقله الله.

 

تبيّن الأستاذة هالة كمال كذلك أن على من ينتظر “حسنة” نظير تنسكه أن يراجع نفسه.  كيف لمن آمن بالله, وبأن محمدًا رسول الله, وبأن القرآن كلام الله, أن ينتظر “حسنة” من الله على “تواصله مع الله” ؟  كيف, بالله, يمكن للواحد منا أن ينتظر “مكافأة” على “تواصله مع الله” ؟   أو لا يكفي الواحد منا تواصله مع الله ؟  أو ليست هذه هي أعظم مكافأة من الله ؟   أي مكافأة يمكن للواحد منا أن يحصل عليها أكثر من تواصله مع الله ؟  عندنا في مصر لا يحلم الواحد منا بالتواصل مع وزير, ودعك من التواصل مع رئيس الوزراء, فماذا يريد الواحد منا أكثر من التواصل مع الله ؟  بجد, بحق الله, أي ثواب ذلك الذي يريده أي منا كمكافأة له على تواصله مع الله ؟   أي مكافأة وأي ثواب ؟

 

تقول فقيهتنا الفاضلة:

“حينما حدّثني الدكتور كمال عن هذا الموضوع منذ ما يقرب من العام، أنكرت, واستنكرت, ورفضت.  أصابني الفزع من الفكرة ذاتها لاستقرار مسألة “عدّاد الحسنات” في ذاكرتي الدينية وسألت نفسي  “وان شاء الله كل الصلوات, والحجّات, والعُمرات, والصيام, هايروح فين ؟”  قالوا إن الركعة في الحرم المكّي بكام ألف حسنة – أقل أو أكثر – والمدني أقل منهم شويه.  وقيام الليل في رمضان بكام ولياليه الأواخر الفردية بكام.  وقل هو الله أحد بثلث القرآن؛ إقراها ثلاث مرات تبقي ختمت.   أنتخ ونام. سورة تبارك الملك تنجي من عذاب القبر و’تشفع’ لقارئها.   والواقعة تنجي من الفقر, أو العكس.  أول آيات الكهف تعصم من الدجّال.  وهناك رواية أن من قرأ سورة القمر حُشِر إلي الله ووجهه مثل القمر.  أوكازيون حصري للمسلم والمسلمة.  بس اتوضّي, والبس الجلابية, وامسك المصحف والسبحه, وقل ما تيسَّر من الأذكار, والأوراد, والمأثورات, وكان الله بالسر عليم.   بلغت المراد من رب العباد.  

 

لم أستسِغْ مسألة الـ “لا ثواب” هذه  بالمرة.   كنت أشعر أن العبادات هي الترجمة العملية للإيمان القلبي وبالتالي تندرج, ولا شك, تحت بند الصالح من الأعمال؛ وعليه فالثواب مضمون.  شغلني منذ سنوات موضوع “فضائل سور القرآن” واقتنيت من معرض الكتاب رسالة دكتوراة تتناوله بالتفصيل؛ فوجدته أكثر الموضوعات التي دُسَّت ووُضِعت فيها روايات من قبيل الحَثّ والتحفيز على العبادة.  أما بعد التفكير مليّاً في الفجوة الرهيبة لدي شعوب العالم العربي والإسلامي ما بين التديُّن والخُلُق؛ فلا مفرّ من الاعتراف بأن جهابذة تراثنا وفقهنا الإسلامي مسئولون بلا شك عن ترسيخ تلك الفكرة الجهنّمية – عدّاد الحسنات – أو بنص إحدى الروايات “عبادة التجّار” الذين يحرّكهم منطق : هاخد كام ؟

 

حين لفت الدكتور كمال نظرنا إلي أنه يكفي تشريف الله لعباده بالمثول بين يديه لمخاطبته, وإيداع الأسرار والهموم, والمخاوف والآمال, لدى العليّ الأعلى بعيدًا عن عيون وآذان البشر الخطّائين المغرضين؛ هذا وحده يكفي تيهًا وشرفًا ويزيد.   لذلك, من الغفلة, وقلة الحصافة, وسوء الأدب, التفكير؛ ناهيك عن المطالبة, بـ”الأجر والثواب” والذي منه.  لكنه الطمع في الجنة بغير عمل؛ فما أسهل الطنطنة والذكر باللسان, وما أسهل الإتيان والالتزام بالعبادات كطقوس لا يلبث المرء أن “يعتادها” فيكرّرها دون مجاهدة. أما الصعب فهو ما دأب الدكتور سلامه على الحديث عنه, شارحًا ما يفهمه من عبارة “القيم, والأخلاق, والمُثُل العلا” من مخالطة الناس مع المجاهدة المستمرة لإرساء دعائم الحق, والعدل, والخير, والمحبة, والسلام, وتحمُّل الأذى, والعَنَت, والإحباط, والمكائد, والنفسيات المشوّهة, والشخصيات الغير سويّة ممن يستمتع, وينشر الحقد, والعنف, والخراب.  ذلك هو الخيار الأصعب الذي يحتاج لتفعيل مراد الله من الخَلق : تزكية النفس.

 

وضع الدكتور كمال يده ببراعة علي موطن الخطأ والخطيئة في هذه المسألة حين حدّد ما ركّز عليه   جهابذة الفقه القديم ورسّخوا لأهميته القصوى:   

·         مجرد “الإعلان عن الإيمان” عوضًا عن الاهتمام بترسيخ معني الإيمان في العقول والقلوب, و

·         القيام بالعبادات والنُّسُك, وتوقّع الأجر والثواب مهما بعدت الأقوال والأفعال عن مفهوم “العمل الصالح”.

 

هنا ظهرت بوضوح معالم تلك الهوّة السحيقة التي تفصل ما بين تديّن المسلمين وبين أخلاقهم.  كنت أظنها شيزوفرينيا.  أي فصام ذهني قابل للعلاج والتّداوي كعرَض طاريء لمرض نفسي تعدّدت أسبابه في مجتمع فقير, بدائي, متخلّف؛ فإذا بها “تعاليم وتوجّهات الفقه القديم” بفطاحله وسدنته. 

مساجد عامرة وقلوب خربة, و

مصلّين وانتشار للفحشاء والمنكر, و

صيام وصائمون ولا تقوى, و

حجّ وعمرة ولا أخلاق, و

تديّن فطري وانحراف سلوكي, و

طقوس مظهرية ونفاق ومداهنة, و

كلام عن الدين وممارسات لا تمتّ له بصِلة, و

ركعات, وأذكار, وكذب, وغشّ, ورشوة, ومحسوبية, وسرقة, و

أحجبة, ولحىً, وجلابيب, وزنا, وتحرّش, واغتصاب.

وكما أثبت تقرير حديث تم نشره في المركز؛ جمعنا بين كوننا أكثر شعوب العالم تديّناً مع أعلى معدّلات الفساد بجميع أنواعه وأشكاله.   ويبدو أنها إحدي علامات “العبقرية” لدي المصريين بالذات.

 

لك أن تعبد وتتعبّد لله كيف ومتي شئت وشاء لك إيمانك وحبك للخالق الأعظم المعبود الأوحد لكن لا يصح أن تروِّج لفكرة أنك أدّيت “كل” ما عليك.  لا يحقّ لك أن تروِّج لفكرة أن ما تقوم به هو التطبيق العملي لـ”العمل الصالح”.  العمل الصالح هو كل عمل يأخذ مصالح الناس ومشاعرهم في الاعتبار.  وتخيّل مجتمعًا بشريًا يأخذ كل فرد فيه مصالح ومشاعر كل الناس من حوله في الاعتبار.  فقط تخيل. 

 

لا بد أن نخرج من فكرة “الخلاص الفردي” الأنانية إلي رحابة, وأهمية, وأولوية, العمل الصالح بين خلق الله “كلهم”.  هذا ما نفتقده.  هذا ما يجب أن نسعي إليه.  هذا ما يجب أن ينتشر بين كل الناس.  هذا ما يمكن أن ينقذنا مما نحن فيه.”  

 







 

رجاء زيارة موقعنا على الشبكة العنكبوتية


 
Leave a comment

Posted by on March 18, 2015 in Miscellaneous

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: